لعنة الأنظمة

11/08/2016 - 20:24 PM

 

 

الدكتور حسن بزي

في زمن الحروب تصبح لغة الموت والضحايا مجرد أرقام تتولاها دوائر الإحصاء وهي دائما ً أقل من الحقيقة، منهم مثلا ً من يقدر الضحايا في سوريا بمئتي ألف ومنهم بمئتين وخمسين ألف حتى تلامس الأرقام المليون... وكأن البشر أصبحت أعدادا ً تقديرية لا فرق بين زيادة عدة آلاف أو نقصانها، مع العلم أن الإحصائيات اقتصرت على الأموات دون الأحياء من طوابير الذل والجوع والعوز... عدا عن المفقودين والجرحى والمعتقلين والأحياء الغير قادرين أن يطيقوا الحياة، بعد كل ما فقدوا وشهدوا وشردوا وأذلوا...

المنتصر الوحيد في هذا النوع من المآسي هو الموت الذي لا يبقي شيئا حيا ً، لا الكرامة ولا النفوس ولا العقول. جهاد النكاح في فقيرات سوريا يذكرنا بالمرأة الفرنسية والألمانية، خلال الحرب العالمية الثانية حيث وصل ثمن معاشرتها إلى غداء أو علبة سجائر... ومع جهاد النكاح هناك جهاد حلب وجهاد القصير وجهاد الأماكن السياحية في سوسة تونس ومدن المقابر في مصر...

أبشع من هذا الكلام هوالواقع وحقيقة المأساة العربية التي تخطت حدود العقل في التوحش والجنون ونزعة القتل وفظاعة الفتاوى.

هناك ما يقارب 12 مليون سوري أبعدوا عن ديارهم وهناك مدن كاملة محيت مثل القصير ودريسدن وكولونيا... والطاحون مستمر، حيث الحرب الأهلية أكثر بشاعة من حروب الأعداء...

مدن من الخيم والكتان تتسع وتمتد على ضفاف الوطن الجريح، موجات من البشرالنازحة والغير مرغوب فيها، أو مهيأة لتكون وقودا ً لمشاريع جهنمية تخريبية بهدف زعزعة التوازنات الديموغرافية في أوطان أو مدن تعيش فيها الأقليات كلبنان والأردن والعراق ... ونورد فضيحة شراء أو استئجار مساحات واسعة في جوار مدينة صيدا باسم دار الفتوى لإنشاء مخيمات أمر واقع للسوريين النازحين.

الشعب السوري مستباح والأفق مظلم والدماء تسيل كل يوم ونسمع محاميي الفحش السياسي الجماعي على الفضائيات كل يوم وكلهم يتاجرون ويراهنون على ميل الدفة لينالوا المراكز والمناصب والكراسي وعلىارتفاع الأسهم وحركة البورصة السياسية وفرصة إعادة الإعمار... وكلها على دماء وأشلاء البؤساء، وكأنما قدر العربي أن يولد في بيت ويعيش في خيمة.

الأدوات الإعلامية والتكنولوجية المتمثلة في التلفزيون والأنترنت والهواتف النقالة تلعب دور المخدر والسم، عندما تحولت جميعها إلى مساحات لحروب موازية تتبادل الكذب والحقد والتهليل للموت والقتل والدمار والمجاعة... عشرات الشاشات

المحطات الفضائية مشرعة وكذلك " الفيس بوك " و " التويتر " وسواها، أمام أصحاب الذقون والعمائم من الشتامين والسلفيين التكفيريين وسائر دعاة الدمار ومحاميي القتل من مجموعات القرون الوسطى والتي سترجعنا قرونا ً إلى الوراء، إلى كهوف الجهل والتخلف.

شعارات الحرية والديموقراطية سقطت أمام واقعنا المر، ولنستعيد بالذاكرة القريبة لحكام العرب: في العراق واليمن وتونس وليبيا ومصر وقطر وما أصابهم من مصير أسود لما زرعوه وجنت به أياديهم، بالإضافة إلى ظاهرة جديدة للكرسي الرئاسية المتحركة لبوتفليقة الجزائر وإعادة ترشيحه الجديد لممارسة "الديموقراطية" وتزامنها في ترشح الرئيس السوري لفترة ثالثة وربما رابعة....

نحن العرب غرباء في هذا العالم وكأن اللعنة قد صبت علينا، مصيرنا بأيدي سوانا ومفاتيح قرارنا بأيدي الكبار وصانعي القرار. الدكتاتوريات أعادتنا بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى سلطة الدين التي كانت سائدة في القرون الوسطى، بل إلى أبشع مظاهرهذه السلطة في الفتاوى وتفجير السيارات والعمليات الإنتحارية في الجوامع ودور العبادة... الفضائيات تمتلئ بالسلفيين من العمائم واللحى والوجوه الشيطانية التي أرجعتنا لنسكن في الخيم، ليس في الصحراء بل في خيام تأكلها الوحول وتجعل منا طوابيرا ً من المتسولين والفقراء....

يا تجارالسياسة ويا تجارالدين إتقوا الله.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment