في مئوية "بلفور"

11/03/2016 - 23:30 PM

 

 

في الثاني من تشرين الثاني (أكتوبر) 2016، يكون وعد بلفور قد دخل عامه المئة. وهو محطة ذات أبعاد تاريخية وسياسية وثقافية يفترض أن نستخلص منها الدروس وأن نغتني بخبراتها وما تحمله لنا من معاني.

لعل أهم الدروس الواجب إستخلاصها أن الحركة الصهيونية أكدت في إرتباطها بوعد بلفور أنها حركة إستعمارية لا تستطيع الحياة إلا على حساب مساندة الغرب لها لطموحاته الإستعمارية، البريطانية أولاً، ثم الأميركية لاحقاً. تدل على ذلك سلسلة واسعة من الوقائع التاريخية التي يضيق المجال لذكرها، لعلّ آخرها الدعم الأميركي للجيش الإسرائيلي بقيمة 40 مليار دولار على مدى عشر سنوات.

كذلك من أهم الدروس الواجب استخلاصها أن الحركة الصهيونية ما كان لها أن تشق طريقها نحو إقامة الدولة في #فلسطين من دون أن يتبناها الإنتداب البريطاني ويوفر لها عناصر القوة الضرورية لبناء أسس هذه الدولة من أرض ومياه وتشكيلات عسكرية ومؤسسات حزبية ونقابية وفتح أبواب الهجرة والغزو اليهودي على مصراعيه لبناء القاعدة السكانية للدولة، وفي الوقت نفسه قمع الحركة الشعبية الفلسطينية وإخماد مقاومتها، وممارسة الضغوط على العواصم العربية لتلعب دور القوة الجامحة لأي نهوض شعبي فلسطيني ضد الانتداب والمشروع الصهيوني.

#اسرائيل ليست مجرد دولة تحتل أرضاً عربية. بل هي مشروع يعكس مصالح الغرب في المنطقة، له أهدافه الدائمة بإعتبارها قاعدة عسكرية وعصا غليظة بيد هذا الغرب في وجه حركة التحرر العربية، ولمنع أي نهضة عربية تتطلع نحو التحرر من قيود التبعية السياسية والإقتصادية والثقافية، ولتشق طريقها نحو إقامة الدولة الوطنية، دولة المواطنة والحداثة، المستندة إلى إقتصاد وطني متين، تقوم على مبادئ الحرية والديموقراطية والعدالة الإجتماعية.

وبالتالي هذا يقود إلى قضية أخرى هي موضع نقاش فلسطيني وعربي دائم: ماهي حدود السلام مع إسرائيل. وعلى الأصح القول ما هي حدود الصراع مع إسرائيل. هل هو صراع لتحرير أرض تمّ إحتلالها في 5 حزيران 1967، يقوم بعدها السلام في المنطقة. أم أن القضية أبعد بكثير من هذا كله وتتعداه نحو الموقف الجذري والأساسي من وجود إسرائيل كدولة صهيونية تقوم على قوانين التمييز العنصري والاحتلال والبطش والقمع، وترتبط عبر مشروعها الصهيوني بالمشاريع الغربية في المنطقة. وهل بالإمكان قيام سلام مع مشروع يهدف على الدوام إلى السيطرة على الثروات العربية وفرض الهيمنة على شعوبها وتقييد أنظمتها بقيود سياسية واقتصادية وإبقائها تدور في فلك المصالح الغربية، على حساب مصالح شعوب المنطقة وحقوقها القومية والوطنية في الحياة الكريمة وفي مستوى من المعيشة يضمن لها الحق في العمل والسكن والصحة والرفاهية والتعلم وغيره.

وعد بلفور ليس وعداً حدوده إقامة دولة لليهود في فلسطين. بل هو وعد بريطاني بأن تبقى المنطقة العربية تحت الهيمنة الغربية. فإلى متى ستدوم مفاعيل وعد بلفور وصلاحيته السياسية؟

 

النهار

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment