عون: عهدٌ وقَسَم

11/03/2016 - 22:54 PM

 

بقلم نجم الهاشم

 

منذ 25 أيار 2014 نام العلم اللبناني على ساريته فوق مدخل قصر بعبدا. بات ذلك القصر بلا رئيس كأنه رمز الجمهورية الميتة التي يبحث كثيرون عن الوقت المناسب لدفنها. في 31 تشرين الأول 2016 عادت الجمهورية لتفتح عينيها وليرتفع العلم فوق ساريته وليصطف الحرس الجمهوري لاستقبال الرئيس العماد ميشال عون إيذانا ببدء مسيرة عودة الجمهورية إلى الحياة. فتلك ليست إلا بداية طريق طويل ومزروع بالألغام ومحفوف بالمخاطر. فهل سيعبر العهد حقول الألغام التي بدأ البعض يزرعها في طريقه؟ وهل يثبت أن الجمهورية لها عنوان واحد؟

 

 

لم تكن مسألة عادية أن يدير رئيس مجلس النواب نبيه بري جلسة انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية. رئيس المجلس النيابي أعلن جهارًا أنه ضد انتخاب العماد عون ولكنه التزم بعدم تطيير النصاب. تلك هي واحدة من صور الديمقراطية الحقيقية التي يجب أن تعود إلى الحياة السياسية في لبنان حيث يمكن الإختلاف في السياسة من دون تعطيل الدولة ويكون استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية موعدًا لا يمكن التلاعب فيه ومجرد محطة عبور من عهد إلى عهد.

منذ تفاهم معراب في 18 كانون الثاني الماضي بات العماد عون رئيسًا للجمهورية. ذلك التاريخ كان الحد الفاصل بين عهد الوصاية والرؤساء الذين يتم اختيارهم وتعيينهم وبين عهد عودة الجمهورية. كانت المسألة مسألة وقت فقط ليصير ما كتب حقيقة غير قابلة للنقض.

عندما أدرك معارضو ترشيح العماد عون أن اللعبة انتهت حاولوا استدراك الأمر. النائب سليمان فرنجية بقي حتى قبل أربعة أيام من الإستحقاق الكبير متمسكاً بترشيحه على أساس حسابات تبيّن له لاحقا أنها خاطئة. كان يحسب أنه سيكون صاحب الحظ رقم اثنين وأن الأصوات التي سيحصل عليها ستؤهله ليكون المرشح التالي والرئيس التالي. عندما برمت دواليب التأييد لتصب في خانة العماد عون بأكثرية تفوق الثلثين تبدلت الحسابات. اختار فرنجية الإنتقال إلى خيار الورقة البيضاء حتى لا تبدو نتيجة التصويت له هزيلة وحتى لا يفوز النائب ميشال عون بالرئاسة بأصوات قوى 14 آذار بنسبة أكثر من أصوات 8 آذار الذين لم يبق منهم معه تقريبًا إلا نواب “حزب الله”. بعد هذه الخطوة كان المطلوب ألا يفوز الجنرال بأكثرية الثلثين وفرض دورة ثانية وهكذا كان ولكن في النهاية أعلن الرئيس بري النتيجة وصار العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية.

موت الجمهورية في قصر بعبدا كان أصاب بالعدوى مجلس الوزراء ومجلس النواب. كانت الجمهورية كلها كأنها تموت. عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري أنعشت الأمل بعودة الجمهورية.

لم يرفع الرئيس المنتخب يده ليدلي بقسمه. كثيرون كانوا ينتظرون ما سيقوله. بصوت هادئ أعلن أنه يأتي إلى الرئاسة في زمن عسير وأن “أول خطوة نحو الاستقرار المنشود هي في الاستقرار السياسي، وذلك لا يمكن أن يتأمن إلا باحترام الميثاق والدستور والقوانين من خلال الشراكة الوطنية التي هي جوهر نظامنا وفرادة كياننا. وفي هذا السياق تأتي ضرورة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، بكاملها من دون انتقائية أو استنسابية، وتطويرها وفقاً للحاجة من خلال توافق وطني”، مضيفا أن “فرادةُ لبنان هي بمجتمعه التعددي المتوازن، وهذه الفرادة تقضي بأن نعيش روح الدستور، من خلال المناصفة الفعلية، وأولى موجباتها إقرار قانون انتخابي يؤمّن عدالة التمثيل، قبل موعد الانتخابات القادمة”.

هذا هو جوهر خطاب القسم الذي ينتظر التنفيذ. إنه عهد وقسم لا يمكن فصلهما عن بعضهما. الحياة التي عادت إلى قصر بعبدا كفيلة بأن تعيد الحياة إلى الجمهورية. رئاسة الحكومة هي الخطوة التالية. الرئيس سعد الحريري رئيسًا مكلفاً تشكيل الحكومة نتيجة الإستشارات الملزمة. فهل سيكون التأليف صعبًا؟

إذا كان البعض حاول أن يقلب الصورة من خلال التركيز المستمر على أن الرئيس عون هو حليف “حزب الله” وأنه مرشح “حزب الله” فإنه في المقابل لم يكن هناك فرح كبير في الضاحية الجنوبية مثلاً احتفالاً بهذا “النصر” الكبير. حيث جرت تجمعات شعبية كانت أعلام “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” هي الوحيدة المرتفعة. هذا “النصر” كان نتيجة العمل المشترك بين أكبر قوتين مسيحيتين بصورة أساسية.

عندما تم الإعلان عن ترشيح العماد عون من معراب أظهرت الإحصاءات أن 85 في المئة من الرأي العام المسيحي هم مع تفاهم “القوات” و”التيار”. في خلال الإنتخابات البلدية عمل كثيرون من المتضررين من قوة التحالف المسيحي أن يشككوا بهذه النسبة. لم يكن ذلك الرقم ليشير في تلك المرحلة إلى نتيجة سياسية للتحالف بل إلى نتيجة شعبية. اليوم بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا بات من المرجح أن يتحول إلى نتيجة سياسية انتخابية.

بعض الذين تخلفوا عن اللحاق بموكب “القوات” و”التيار” وفضلوا أن يخوضوا المعارك ضده وضد الإجماع المسيحي يحاولون استلحاق أنفسهم خوفاً من الخروج من دائرة الفعل في الحياة السياسية، خصوصًا وأن الإنتخابات الرئاسية لن تكون إلا الخطوة الأولى في هذه المرحلة الطويلة. لا يمكن الفصل بين عهد عون ورئاسة سعد الحريري للحكومة. فالحكومة هي أولاً وأخيرًا حكومة العهد الأولى وخطاب القسم لا بد من أن يكون بمثابة البيان الوزاري. لذلك فإن بعض الذين تحدثوا عن انتصارات ضد “القوات” و”التيار” في الإنتخابات البلدية يعيدون النظر في حساباتهم اليوم ويلوذون بالصمت.

لا شك في أن العهد الجديد ينطلق قويًا من خلال التأكيد الثابت على استمرار التحالف بين “القوات” و”التيار” ومن خلال عودة الرئيس سعد الحريري إلى السراي وتوالي الترحيب العالمي بهذا الإنجاز الدستوري. ولا شك في أن عملية تشكيل الحكومة ستكون نتيجة حتمية لهذه الإنطلاقة بحيث سيكون من الصعب وقف هذا الزخم. وإذا كان البعض يعتقد أنه يستطيع أن يفرض مشاركته في الحكومة بعد معارضته انتخاب العماد عون رئيسًا فإنه قد يكون مخطئاً.

من معراب حيث بدأت المسيرة الفعلية والأكيدة للعهد يدخل رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى قلب المعادلة الجديدة. كثيرون حاولوا التشكيك بمواقفه وبنتائجها والإيحاء بأنه سيكون خاسرًا ولكن في المقابل كان هناك اعتراف بأنه كان الأكثر ذكاءً وحضورًا في تغيير الصورة وانقلاب المشهد السياسي. ولعل الحملة المضادة عليه وعلى “القوات” لا تهدف إلا إلى الحد من المكاسب السياسية وهي حملة عنوانها “القوات” ولكنها أيضًا موجهة ضد الرئيس عون وضد التفاهم الذي كان في معراب.

وإذا كان جعجع يدرك حقيقة الإنجاز الذي حصل فإنه لم يتوان عن الإعلان عن أهمية ما ورد في خطاب القسم عارفاً بمتانة التفاهم مع العماد عون. وهو في لقاءات متكررة لم يتوانَ عن الحديث عن أهمية هذه اللحظة التاريخية معتبرًا “أننا أخذنا في “القوات” أهم وأخطر قرار تاريخي يختلف عن قرار الذهاب إلى حرب ضد عدو. إنه قرار تتخطى فيه ذاتك. لا يمكن أن نظل جامدين في التاريخ لأن هناك مستقبلاً لا يمكن إلا أن نذهب إليه. أريد أن تتأكدوا أننا اتخذنا قرارا تاريخيًا وأدى إلى نتيجة تاريخية سيتحدث التاريخ عنه وعنها وسينصفنا لأننا اتخذناه. وبكافة الأحوال فإن الأيام أمامنا. وإن غدًا لناظره قريب.”

 

المسيرة

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment