نسبة 0.1 بالمئة خضت القارة العجوز ... ما هو الرقم الحقيقي للاجئين السوريين في لبنان؟

10/06/2015 - 00:28 AM

كتبت ميشلين ابي سلوم*

لم يكن أحد يفكر في أزمة إسمها اللاجئون السوريون لولا الانزعاج الذي بدأ يشعر به الأوروبيون. وفجأة بدأ المسؤولون الأوروبيون يتوافدون إلى لبنان، على أرفع المستويات، لا لكي يطمئنوا إلى وضعه الكياني المهتزّ بعد استقباله عدداً من اللاجئين السوريين والفلسطينيين يزيد عن نصف عدد سكانه اللبنانيين، بل لكي يطالبوا هذا البلد الصغير بمنع تدفّق اللاجئين إليهم عبر الموانئ المفتوحة على المتوسط!

وأما لبنان ومصيره، فلا أحد في المجتمع الدولي يسأل عنهما. ويظنُّ البعض أن تدابير الحكومة اللبنانية على المعابر قبل 9 أشهر أوقفت رقم النازحين عند المليون و300 ألف، وهو الرقم الذي أذاعته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين آنذاك. لكن مسؤولين لبنانيين يؤكدون أن الرقم ارتفع على رغم التدابير.

هناك أربعة عوامل تتحكم بأعداد النازحين السوريين في هذه المرحلة:

أولا، إرتفع عدد الوافدين بطرق غير شرعية، ومن خلال المعابر والممرات الوعرة في الجرود الحدودية، حيث باتت هناك تجارة رائجة، روادها لبنانيون وسوريون، لإدخال السوريين والفلسطينيين مقابل مبالغ من المال.

ثانيا، هناك ارتفاع موازٍ بسبب الولادات الكثيفة التي يشهدها مجتمع النزوح في لبنان. وفي الإحصاءات أن أكثر من 50 ألف ولادة تمت في صفوف النازحين منذ العام 2011 في لبنان.

ثالثا، في المقابل، هناك تراجع في الرقم بسبب إقدام السلطات اللبنانية على منع أعداد من النازحين من العودة إلى لبنان، بعد نزع صفة اللاجئ عنهم. والسبب هو أن هؤلاء استمروا في التنقل بين سوريا ولبنان، ذهاباً وإياباً، خلافاً لقواعد اللجوء وقوانينه.

رابعا، هناك تراجع أيضاً بسبب إقدام أعداد من النازحين على التوجُّه إلى دول أخرى، أوروبية وأميركية خصوصاً، بطرق شرعية أو غير شرعية. وهذا العامل تحديداً هو الذي يستدعي من مسؤولي العواصم الأوروبية أعلى درجات الاستنفار، كبريطانيا وفرنسا، والتدخل مع لبنان.

فبالنسبة إلى هؤلاء، لا مشكلة في الكارثة التي يتعرض لها لبنان منذ خمس سنوات بسبب بلوغ السوريين والفلسطينيين أكثر من ٥٠% من سكانه، بل في بضعة آلاف من اللاجئين في المجتمعات التي تضم عشرات الملايين من السكان!

فرض تأشيرة دخول على السوريين

وفي الموازاة، يجدر التذكير بأن أعداد السوريين غير المصنفين في خانة النازحين تزداد أيضاً. فلبنان لوَّح في الخريف الفائت بفرض تأشيرة دخول على السوريين، لكنه قوبل بردِّ فعل اعتراضي عنيف، لأن اللبنانيين الذين يدخلون سوريا لا تُفرَض عليهم تأشيرات. فجرى التراجع عن الفكرة. واليوم، يدخل السوريون من دون عوائق إذا كانوا من فئة السياح أو المستثمرين أو العمال لمجرد حصولهم على وثائق تثبت ذلك.

في الخلاصة، يصعب تحديد السوريين الموجودين على الأراضي اللبنانية، والذين تتداخل صفاتهم بين النازح والعامل والسائح والمستثمر والمقيم في شكل دائم. لكن المفوضية أشارت في تقاريرها إلى ازديادهم. كما أن وزراء في الحكومة يؤكدون أن التدفق مستمر، وإن بوتيرة أدنى مما كان في السابق. ويزيد التعقيد انتشار النازحين عشوائياً بين المخيمات ال1700 وخارجها، وبين مسجّلين كنازحين وغير مسجلين، وبين المصنفين عمالاً أو سياحاً أو مستثمرين، والموجودين بلا أي صفة واضحة، والداخلين انتظاراً للعبور إلى بلدان أخرى.

شكوك في المفوضية السامية!

وأوقفت مفوضية اللاجئين عدّادها الذي كانت تصدر تقاريره أسبوعياً، وبالتفصيل. وثمة من يعتقد أن السبب هو حال الضياع الذي باتت تعيشه المفوضية، وعدم قدرتها على تقديم إحصاءات دقيقة. لكن البعض يرى أن سكوت المفوضية يبيِّت أهدافاً معينة.

ويدعم أصحاب مقولة النيَّة السيئة وجهة نظرهم بما فعلته المفوضية خلال الشتاء الفائت، إذ قامت بإدخال أعداد من النازحين، متجاوزة التدابير التي يتخذها لبنان. واعترفت ممثلة المفوضية نينت كيلي بأن نحو 42 ألف نازح تمّ تسجيلهم في الفصل الأول من العام 2015. وبررت ذلك بأن معظمهم كان وصل إلى لبنان قبل التدابير الحكومية، وأن 6 آلاف فقط جاؤوا بعدها.

وأثار ذلك ضجّة في مجلس الوزراء، وطلب وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس رسمياً من المفوضية تصحيح الخلل واتهمها بالخداع. ولم تقدِّم المفوضية أجوبة مقنعة عمّا جرى، لكنها اضطرت إلى الاعتذار، ووعدت بعدم تكرار الخطأ.

كما عمدت المفوضية إلى تسجيل الولادات السورية في لبنان ضمن قيودها، بدل أن يتم ذلك لدى مرجعية السلطة السورية. وهذا ما أثار المخاوف من خلفيات توطينية قد تترتب على هذا التسجيل. ففي إمكان النازحين السوريين تسجيل أبنائهم لدى مختار المحلة أو الأمن العام أو ما شابه. لكن التسجيل لدى مرجعية دولية لشؤون اللاجئين يثير المخاوف من المطالبة لاحقاً بقيود رسمية لبنانية لهم، على رغم عدم توقيع لبنان على اتفاقية جنيف للعام 1951.

وهناك مَن يعتقد في لبنان أن بعض القوى الدولية الكبرى مرتاحة إلى أن لبنان والأردن يتحملان تبعات اللاجئين السوريين والفلسطينيين، بما ينطوي عليه ذلك من حصرٍ للمخاطر الأمنية والديموغرافية في هذين البلدين المجاورين لسوريا، بدلاً من انفلاشها إلى أوروبا والولايات المتحدة ودول أخرى. والمفوضية هي أداة لهذه القوى الدولية. وفي اعتقاد هذه القوى أن مواجهة مخاطر اللاجئين في لبنان والأردن أسهل من مواجهتها في الدول الأوروبية.

وتخشى أوساط سياسية أن يؤدي الانتشار المكثف للنازحين في لبنان والأردن إلى ضرب هذين البلدين كيانياً، وتسأل عمّا إذا كانت المفوضية تنفِّذ، عن علم منها أو غير علم، مخططاً يقود إلى إعادة رسم الخرائط في الشرق الأوسط، بعد خلط الأوراق ديموغرافياً في بلدان تتداخل فيها الشعوب، من طوائف ومذاهب مختلفة. وأزمة النازحين هي الأداة الأمثل لتحقيق هذا الهدف. ولا حاجة إلى التذكير بهشاشة التركيبة الديموغرافية في كل من لبنان والأردن.

مَن يعرف الرقم الحقيقي؟

وفي الخلاصة، يقول المعنيون بملف النازحين في لبنان إن لا إحصاءات دقيقة للنازحين السوريين والفلسطينيين حالياً. والرقم الذي يتم تداوله حالياً ١،٣ مليون سوري و600 ألف فلسطيني هو رقم تقريبي ولا يشمل كل فئات السوريين والفلسطينيين الموجودين في لبنان. وفي أي حال، هو يقارب ٥٠% من السكان اللبنانيين.

لكن التقديرات التي يجمع عليها المعنيون تشير إلى أن الرقم الحقيقي وصل مطلع 2015 إلى ٢،٥ مليون سوري وفلسطيني مقابل 4 ملايين لبناني نحو ٦٢،٥% من السكان. فهناك أكثر من ٠،٥ مليون سوري في لبنان بشكل عمال مع عائلاتهم، ويقيمون في ورش البناء والبيوت الزراعية والمصانع وبعض الأحياء السكنية. وفي البقاع والشمال خصوصاً، باتت هناك قرى سورية السكان، وفيها نازحون لبنانيون. وهذا النموذج قد يتعَّمم على كل لبنان إذا طال أمد الحرب في سوريا، وهذا الاحتمال وارد.

أما اليوم، فالرقم يتأرجح، خصوصاً بسبب إغراءات الهجرة إلى البلدان الغنية في أوروبا. لكن المؤكد أن لبنان معرَّض للانهيار تحت ثقّالة النازحين... خصوصاً إذا نجح الزوار الأوروبيون في إقناع مسؤوليه بأن يأخذ في صدره أعباء اللجوء، مقابل حفنة من الدولارات. وهذا الاحتمال وارد... بالتأكيد!

رئيس الحكومة تمام سلام رفع الصوت مجدداً في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، خلال مؤتمر الدعم. ولكن أحداً لم يكن مستعداً للتضامن مع لبنان. وفيما كان سلام يخبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، خلال زيارته الأخيرة لبيروت، عن مآزق لبنان الدستورية والسياسية والأمنية والمالية، بما فيها أزمة النازحين الكيانية... كان يردُّ عليه ضيفه الإنكليزي في شكل مقتضب، وبالبرودة الإنكليزية المعروفة: نحن ندعمكم ومعكم في كل شيء... ولكننا مهتمون الآن بملف اللاجئين. كيف سنضبط فوضى اللجوء في أوروبا؟

فقد جاء رئيس الوزراء البريطاني إلى لبنان، وبعده سيأتي الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، لا من أجل لبنان أو رئاسة الجمهورية، بل لغايات محض أمنية وديموغرافية أوروبية، بعدما وصلت الموس إلى الذقن.

خطر أمني وديموغرافي

والدافع الأساسي لحركة كاميرون، وهولاند لاحقاً، هو الخطر الأمني والديموغرافي والاجتماعي الذي بات يهدِّد أوروبا. فالمعلومات التي تتداولها أجهزة الأمن الأوروبية تتحدّث عن دخول ما بين 4000 و6000 عنصر من داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى إلى أوروبا، ضمن موجات اللاجئين.

في أي حال، تخشى حكومة كاميرون إزدياد التطرف في بريطانيا، إذا تسلَّلت عناصر إرهابية متطرفة إلى بريطانيا تحت رداء اللاجئين. فالمجتمعات الأوروبية أظهرت في السنوات الأخيرة جنوحاً إلى اليمين المتطرف، وثمة مخاوف من نمو إضافي لهذا الاتجاه، ما يهدِّد بمخاطر إجتماعية. فالتطرُّف الإسلامي والتهديد بالإرهاب في قلب أوروبا سيمنحان اليمين المتطرف ذريعة لاكتساح شرائح اجتماعية إضافية.

لقد كان معبِّراً كلام الرئيس سلام عندما قال لكاميرون إن الحل الحقيقي لمسألة اللاجئين يكون في إيجاد تسوية سياسية في سوريا. ولكن، عندما يقول كاميرون إن برنامجه لاستضافة اللاجئين يمتدُّ إلى 5 سنوات، فهذا يعني أن الحرب طويلة جداً في سوريا، بالمنظور البريطاني.

وحتى الوصول إلى نهاية النفق السوري، قد ينجح الأوروبيون في ضبط فوضى اللجوء تماماً، في دولٍ قوية وغنية ومتماسكة ولا يتجاوز فيها اللاجئون مقدار ٠.١%. ولكن ماذا يبقى من لبنان في هذه الأثناء؟

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment