نداء بكركي وحكمة بطريرك

09/21/2016 - 01:11 AM

 

جورج العاقوري

 

يوم إختاره معلمه، قال له: “إرسلكم كالحملان بين الذئاب”، وذئاب الحياة كثر ذئاب الطمع والمال، ذئاب السلطة والجاه، ذئاب الحقد والنميمة وذئاب السياسة التي قد تجسد كل هذه الصفات مجتمعة.

ويوم قال لمعلمه: “نعم، كلي لك”، زهد بهذه الحياة بحثاً عن مملكة ليست من هذا العالم، لكن العناية الالهية التي إختارت نصر الله صفير بطريركاً سادساً وسبعين بعد يوحنا مارون، زرعته في خضم هموم هذا العالم وصعابه، في فترة مفصلية من تاريخ لبنان والشرق، في ظل وطن مشلّع في زمن الحرب ومستعبد من المحتل في زمن سلم مزعوم.

في ظل صخب الحياة والشهرة والضوضاء، عرف بطريرك الموارنة كيف يتحمل مهامه الوطنية كجزء من حياته الروحية، فقارب السياسة وعاشر السياسيين من دون ان يغرق في زواريبها وحساباتهم. تشبث بالثوابت ولم “يتشبص” فكان يصغي بإمعان. إعتمد على الروية ولم يتلكأ، إندفع ولم يتهوّر. والاهم كان حكيماً بكلماته وممارساته، سلاحه الصلاة والايمان وسقفه كرامة الانسان والعلاقة العضوية بين الموارنة والحرية ولبنان ومداها المفتوح على التاريخ والوجدان.

تشبث بالثوابت، فلم ينصاع للاغراءات المتكررة لزيارة سوريا والتي تحولت مرات عدة تهديدات، ومن دون خجل أو إحراج رفض البطريرك صفير الذهاب الى دمشق حين زارها البابا يوحنا بولس الثاني. فاكد ان “مصلحة لبنان وسوريا المشتركة هي ان يدير كل منهما اموره” وانه لن يزورها الا برفقة رعيته، رعيته الموزعة بين المنفى والمعتقلات على يد نظام الاسد، رعيته المنتهكة حريتها والمستباحة سيادة وطنها، رعيته المسلوبة خيرات ارضها.

كم كان حكيماً وسريع البديهة حين عاجل ذاك الصحافي الذي سأله إذا كان سيزور “قصر المهاجرين”، وأجابه: “أين يقع قصر المهاجرين؟!”. وكم كان صلباً في مواقفه  وهو الذي ردّد دوماً: “لقد قلنا ما قلناه”…

حكمة صفير جعلته يوقّت نداء ايلول 2000 التاريخي، ومع هذا النداء إنتقل بطريرك الاستقلال من صوت صارخ في برية الاحتلال الى يد ترفع السوط في وجه تجار الهيكل. فهو لطالما رفض تحويل لبنان محافظة سورية يديرها “والي” عنجر ويحكمها رئيس الشام. طالب بتنفيذ اتفاق الطائف الذي نص على إعادة انتشار القوات السورية بعد سنتين من تطبيق إتفاق الطائف. فتحدث بعض المزايدين عن سقف منخفض، لم يأبه فحكمته جعلته ينتظر الانسحاب الاسرائيلي من لبنان في 25 ايار 2000 ليطالب بانسحاب فوري لسوريا من لبنان وبشكل كامل.

جعل نداء أيلول ذاك السوط، وعمل على خلق اليد التي ستطرد المحتل من هيكل الوطن. فرعى تأسيس لقاء “قرنة شهوان” وأجرى مصالحة تاريخية في الجبل العام 2001، وكانت حوادث 11 ايلول من العام نفسه التي أعادت خلط الاوراق إقليمياً ودولياً. ثم كان لقاء “البريستول” الذي تمتع بمروحة طائفية أوسع من “قرنة شهوان” وكان القرار الدولي 1559، وبعدها جنّ المحتل، وإرتكب الخطيئة القاتلة بإغتيال الرئيس رفيق الحريري، فزحف اللبنانيون السياديون في 14 آذار 2005 وتفجرت “ثورة الارز”، فخرج المحتل في 26 نيسان من ذاك العام وطرد من الهيكل، وبدأت مسيرة ترميمه التي لم تنته بعد.

في الذكرى السادسة عشرة لذاك النداء، لك منا كل الحب والفخر والوفاء، ووعد أنه رغم “الزمن البائس” الذي إستشرفته، لن نيأس وسنتعظ بك ونتماثل بنضالك ونستمد من معلمك الرجاء.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment