نهر الليطاني... ثروة لبنان المائية قتلناه بأيدينا عن سابق قصدٍ وتصميم

09/02/2016 - 00:50 AM

 

خاص بيروت تايمز- ميشلين أبي سلوم*

 

إننا قتلناه بأيدينا، لا بالإهمال ولا بالتجاهل، بل عن سابق قصدٍ وتصميم. ومعه نقتل أنفسنا. والمثير أن جفناً لا يرفّ لنا.

هل هناك شعب يسمّم خزان الماء الذي يشربه ويسقيه لأطفاله، ويسمّم الأسماك والمزروعات التي منها يعيش؟

قيل عن لبنان يوماً إنه هِبة الليطاني كما هي مصر هبة النيل. طبعاً، هناك فارق بين البلدين الشقيقين في طبيعة الثروة المائية التي يتمتع بها كل منهما، لكن الليطاني هو الشريان الذي به يعيش لبنان، من إهراءات حبوبه في البقاع إلى سهوله الجنوبية وصولاً إلى البحر، عدا السدود والشرايين المائية الجوفية التي يتدفق عبرها الليطاني إلى غالبية الساحل اللبناني.

فإذا جرى تسميم الليطاني، أصيب كل سكان لبنان، على ارتفاع النهر والبحيرة وما دون، أي حتى الساحل بمقدار من التلوث أيضاً. وفي الحسابات، غالبية سكان لبنان مشمولون بهذه الكارثة البيئية، ومنهم سكان بيروت.

من المسؤول: الجميع. المعنيون في السلطة كما القطاع الخاص والمواطنون أنفسهم. والفساد والجشع هما السبب: الكسارات والمرامل والديناميت المستخدم فيها، المصانع ونفاياتها الشديدة الخطورة التي ترمى في النهر، نفايات البلدات والقرى ومجاريها الصحية، خيام النازحين السوريين المنتشرة عبر مجرى النهر، المزارعون الذين يرمون الأسمدة الكيماوية والمبيدات في مجرى النهر، الصيادون الذين يفتكون بالثروة السمكية في النهر والبحيرة باستخدامهم الديناميت... والكثير الكثير من سوى ذلك! وبعد... هل يمكن أن يبقى النهر على قيد الحياة؟

وهل يحق للذين يرتكبون كل هذه الخطايا أن يشكوا ويئنّوا ويسألوا عن سبب موت النهر!

وفي أي حال، وجد البعض فرصة ليستثمر في مأساة نهر الليطاني، فوجد أن هناك حاجة ل880 مليون دولار كي ينظف النهر...

هل الرقم صحيح أم لا؟

مَن يثق بالرقم وبأصحابه ما دام هؤلاء هم أنفسهم الذين يتسببون بالكارثة من خلال إهمالهم وإطلاق يد الأزلام والمحاسيب؟

صَدَق الشاعر حين قال: تَعْجَبينَ مِن سَقَمي... صحتي هي العجَبُ!

أظهرت الدراسات الطبية إحصاءات جديدة عن تزايد الإصابات بالأمراض السرطانية نتيجة كارثة الليطاني. وأعلن رئيس الهيئة الصحية الوطنية الدكتور اسماعيل سكرية وجود علاقة قوية تجمع مناطق حوض النهر مع الإصابة بالامراض السرطانية التي وجدت أرقامها مرتفعة بشكل مضاعف مرات ومرات وخصوصاً في المناطق الأقرب الى هذا الحوض.

وقد اتت نتائج الدراسة في ختام استطلاع ميداني قام به متطوعو الهيئة بالتعاون مع الهندسة البيئية وقسم الامراض السرطانية في الجامعة الاميركية وكلية الصحة في الجامعة اللبنانية، فرع البقاع. واختارت الدراسة بلدتي القرعون التي تقع في نهاية مصب النهر الملوث وحوش الرافقة في البقاع الشمالي التي تقع على منتصف طريق هذا النهر باتجاه مصبه، مع إجراء مقارنة أخرى قياساً الى الأرقام في السنوات الماضية حول عدد المصابين بالامراض السرطانية.

واظهرت النتائج وجود أرقام مرتفعة ومضاعفة في عدد الإصابات بالامراض السرطانية، مقارنة مع أرقام إحصائية صادرة في العام 2012 دلت آنذاك على وجود 9059 حالة سرطانية وما نسبته ٢.٢٥ بالألف، أما اليوم فقد وجدت 20723 حالة تعد قيد المتابعة والعلاج وبما نسبته ٥.١٨ بالألف.

ففي القرعون، جرى استطلاع 3056 حالة تبيّن وجود 92 شخصاً مصاباً بالسرطان خلال السنوات الأربع الماضية، 20 منهم قضوا ولا يزال 72 منهم قيد العلاج والمتابعة، ما نسبته ٢٣.٥ بالألف، أي ما يزيد 4.5 أضعاف عن الدراسة السابقة.

وفي حوش الرافقة، جرى استطلاع 2413 حالة تبين وجود 44 شخصاً مصاباً بالسرطان فيها، قضى منهم 15، ولا تزال 29 منهم يتلقون المتابعة والعلاج، أي ما نسبته 12 بالألف، وبزيادة تصل الى ٢.٥ اضعاف.

فتلوث التربة الزراعية والآبار الجوفية والمزروعات بمادة النترات يرفع نسب الإصابة بسرطان المعدة. وتبين وجود نسب كبيرة من مادة النترات في خراج بلدة عرسال تضاهي النسب المتراكمة في السهل الزراعي. ومردّ هذا الارتفاع يعود الى الاستخدام الكثيف للديناميت المكون من النترات في عمليات التفجير في الكسارات.

كلفة الليطاني ٨٠ ضعف السين

وفي موضوع الأكلاف التي يجري تقديرها لتنظيف الليطاني، كان لافتاً ما قاله الشاعر هنري زغيب في هذا المجال: ذكرت الصفحة الاقتصادية لجريدة الفيغارو أَن كُلفة تنظيف نهر السين، وطولُه 776 كلم، بلغَت تقديراتُها ٩.٥ ملايين يورو، لتُنْجَزَ في ثلاثة أَشهر ويتأَمّنَ تنظيفُ النهر من رواسبَ في قعره تسبِّب حساسية مؤْذية للأَسماك والصيادين، فيعودَ النهر كعادته موئلا رئيساً لشبكة السياحة النهرية في فرنسا.

وبمنطق الأَرقام ذاته يمكن الانتقال إِلى لبنان: في تقريرٍ رفعه وزير البيئة قبل أَيام، أَنّ كُلفة تنظيف نهر الليطاني، وطولُه 170 كلم، بلغَت تقديراتُها 880 مليون دولار، لإِنقاذه من 25 سنة مخالفات ونُفايات مصانع ومداجن ومسالخ وصرف صحي ومبيدات ومرامل وكسارات، وبعضها مرخَّص إنما غير مراقَب، ولا يمكن البدء بهذه العملية التنظيفية إِلا بعد موافقة مجلس النواب.

فطول نهر الليطاني يقارب رُبع طول السين، لكن كُلفة تنظيف السين 10 ملايين يورو، أَي نحو 11 مليون دولار أَميركي، وكُلفة تنظيف الليطاني 880 مليون دولار. ويعني ذلك أَن كُلفة تنظيف الليطاني هي 80 مرة أَكثر من كُلفة تنظيف السين، مع أَنّ الليطاني أَصغر 4 مرات من السين. فكيف الأَصغرُ 4 مَرّات يكلِّف 80 مرةً أَكثر؟

وأضاف الوزير المذكور آنفا في تقريره: جاءت فترةٌ كان فيها ابرهيم عبد العال صاحبَ مشروعٍ لنهر الليطاني يُؤَمِّن بمياهه ثُلْث حاجة لبنان من الطاقة الكهربائية. ويومها كان الليطاني يسمى نهر الخير. ويوم وفاة ابرهيم عبد العال الغامضة سنة 1959 عن 51 سنة وقف الطوباويُّ الآخَرُ موريس الجميِّل يودِّعه مؤَبِّناً: قال هيرودوت إِن مصر هبةُ النيل، وقال فقيدُنا اليوم ابرهيم عبد العال إِن الليطاني هبةُ لبنان، وأَنا أَقول إِن الليطاني هبةُ عبد العال وإِن عبد العال هبةُ لبنان.

انتهت الحياة في الليطاني

وأشار أحد الخبراء في علم البيئة أن الحياة المائية في بحيرة القرعون انتهت. وجاء كلامه بعد صدور النتائج الرسمية لفحوص العينات التي سحبها المجلس الوطني من البحيرة، إثر نفوق أكثر من خمسة أطنان من الأسماك فيها.

وتحتاج البحيرة إلى ثلاث سنوات حداً أدنى لتعيد توازنها إذا تم إيقاف كل مصادر التلوث عنها، وتنظيفها تنظيفاً جذرياً، وفق ما يقول حمزة. فالطحالب السامة من نوع السيانوباكتيريا قتلت كل حياة مائية وبيولوجية في البحيرة، بعدما أثبتت التحاليل أن نسبة سمومها وصلت إلى 15 ميكروغراماً في الليتر الواحد، بينما يجب أن تكون أقل من ميكروغرام واحد.

ومع موجة الحر الأخيرة، وصلت حرارة مياه بحيرة القرعون إلى 30 درجة مئوية، فانفلتت السموم من خلايا هذه الطحالب، في رد فعل دفاعي تجاه التلوث الكبير والحرارة غير المألوفة، ما تسبب بتسمم الأسماك واختناقها بعدما ارتفع التلوث إلى معدلات غير مقبولة.

وبالنسبة إلى الهواء، تنبعث من البحيرة ومن مجرى الليطاني روائح كريهة جداً تتسبب بحساسية وأمراض صدرية وأوجاع في الرأس وشعور كبير بالانحطاط، إذ إنها تضرب الجهاز العصبي، كما يتسبب استعمال المياه للخدمة بحساسية جلدية. أما إذا سبح أحدهم في البحيرة أو وقع فيها لأن التلوث يمنع السباحة، وصدف أن ابتلع من مياهها فإنها تؤدي إلى إصابته بأمراض معوية خطيرة.

بركة لتجميع المجارير

إن البحيرة التي تعتبر روح البقاع الغربي وحوض الليطاني في الجنوب، تحولت مجرد بركة تجميع لمجارير المياه الآسنة ونفايات المصانع والدباغات والمعامل والمزارع ومياه الصرف الصحي المسلطة من حوض الليطاني في البقاع إليها. إذ تصب فيها النفايات الصناعية لنحو ستمئة مؤسسة صناعية وزراعية ودباغات، إضافة إلى مجارير قرى حوض الليطاني.

وهذا الواقع دفع الخبراء إلى اعتبار أزمة القرعون مسؤولية وطنية تتطلب معالجة طارئة وسريعة خارج الروتين الإداري المحلي. وقال إن موت بحيرة القرعون يعني موت كل الحياة في البقاع الغربي والجنوب.. وتدهوراً بيئياً وبيولوجياً وصحياَ غير مسبوق.

فكامل حوض الليطاني في البقاع يروي نحو 22 الف هكتار في البقاع وسبعة آلاف هكتار في الجنوب. كما أن حوض الليطاني، هو الأكبر في لبنان، فضلاً عن كون بحيرة القرعون، هي المسطح المائي الأوسع في لبنان، وتبلغ سعتها 220 مليون متر مكعب عندما تمتلئ شتاء، أما اليوم فلا تحتوي على أكثر من تسعين مليون متر مكعب، وهو ما يزيد خطر التسمم.

المدهش أن مجلس الإنماء والإعمار والمسؤولين الذين أثاروا مسألة تلوث نهر الليطاني أغفلوا أن مياه نهر الليطاني الملوّثة هي نفسها التي أصروا على جرّها بواسطة نفق ينتهي العمل به عام 2017!

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment