فتيات آمالهن معلقة على مستقبل لا مكان لـ"داعش" فيه: "سأرقصُ عاريةً وسط الرقة"

08/28/2016 - 18:47 PM

 

نشرت قناة "دوتشي فيليه" مقابلة مع سيدة من مدينة الرقة السورية:

تمر الأيام رتيبةً داخل شوارع الرقة في مشهدٍ سوريالي يحكي قصة مدينة اتّشحت بالسواد بعد أن كانت دُرّة الفرات الغافية على كتفه يوماً ما. أكياسٌ من القماش الأسود تُغلّف أجساداً بشريّةً، وهي تتحرك بصمتٍ وتحيا بصمت، ولكنّها ترفضُ أن تموت بصمت، كما تقول مها (اسم مستعار).

جازفت مها لتروي لقناة "دوتشي فيليه" عربية تفاصيل الحياة في معقل "داعش" بالرقة، لتُسمعَ صوتها للعالم. تقول مها إن "الحياة ستبقى مستمرّة رغم إجرام داعش وتوحّشه". بالطبع كان الحديث بلغة الترميز التي استقتها ندى من لهجتها الفراتية خشية أن يتم كشفها واعتقالها وربما قتلها. مها مُدرّسةٌ لمادة اللغة العربية في إحدى مدارس الرقة، انخرطت ضمن حركة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، وشاركت في تشييع أول قتلاها عام 2011.

فجر الحرية الذي لم يدم طويلاً
عملت مها منذ خروج الرقة عن سيطرة النظام السوري مطلع 2013 في كثيرٍ من المشاريع الخدمية داخل المدينة، ابتداءً بتنظيف الشوارع، وليس انتهاءً بورشات العمل التي أقامتها كثيرٌ من منظمات المجتمع المدني التي نشطت داخل الرقة آنذاك، في محاولةٍ جادّةٍ منها أن تكون فاعلة على الأرض، وأن يكون للمرأة السورية، والرقيّة على وجه الخصوص، دورٌ في عملية التغيير داخل البلاد.
حملت الصليب مع باقي الناشطين داخل الرقة حين قامت "داعش" بتحطيمه، وشاركت في المظاهرة التي نظّمها الناشطون داخل المدينة ضدّ ممارسات التنظيم الإرهابي. وكانت الشابة الرقيّة من بين أولئك الذين ثاروا، وأبدت احتجاجها على سياسة "داعش" داخل المدينة، تقول مها: "طلبتُ من أحدهم أن يميط اللثام عن وجهه، إلا أنّه أشاح بوجهه عني، ولم يأبه لكلمات التوبيخ والتأنيب التي ألقيتها على مسامعه، عرفتُ فيما بعد أنّه لا يُتقن العربية، فقد جاءنا مُجاهداً من طاجيكستان الشقيقة".

"سأرقصُ عاريةً وسط الرقة"
تحاول مها الصمود ما أمكنها ذلك، فقد تعلّمت حرفة التطريز، والخياطة إلى جانب محاولتها تعلّم لغات جديدة تُضيفها إلى خبراتها؛ تقوم بقتل الوقت بقراءة الروايات والقصص. وتضيف مها: "باتت الروايات والقصص هي عالمنا الوحيد، نعيش داخلها، أُدخّنُّ سرّاً كلّما تمكّن أخي من تهريب بعض علب السجائر لنا".
ضحكت كثيراً حين سألناها عن التدخين، وعقوبته لدى "داعش"، إلا أنّها أردفت لتصف تلك المرأة التي ظهرت صورتها، وهي تدخّن إبّان هروب عناصر التنظيم المتطرف من منبج، وقالت: "أعرف امرأةً تسكن قريباً من بيتنا قد أقسمت بأغلظ الأيمان أنّها سترقص عاريةً عند ساحة النعيم حين تتحرر المدينة من أولئك الهمج".

لا ندري إن كان ما نقلته مها عن تلك المرأة هو نوعٌ من الهذيان بسبب ما يعانيه المدنيون داخل الرقة، أم إنها جادّة فعلاً فيما ذهبت إليه. لكنّ اللافت هنا هو رغبة تلك المرأة بالتحرر ورفض كل ما أتى به "داعش" من أحكام وتعاليم بقيت بالتالي غريبة عن سكان المدينة رغم إجبارهم على اعتناقها بالقوة.
كما أن إشارتها إلى المكان لا تخلو من طاقةٍ ترميزيةٍ نابعة من كينونة ذلك المكان وما يعنيه لدى أهل الرقة، إذ أنّ ساحة النعيم هي الساحة الأشهر في الرقة، حيث يُنفّذ فيها تنظيم "داعش" معظم إعداماته وأحكامه التي لا تمت إلى الحضارة الإنسانية بصلة.

مكاتب للزواج وإغراءات بالمال
أمّا عن علاقتها بعناصر "داعش"، فإنّ مها تحاول التخفّي منهم ما أمكنها ذلك، فهي لا تخرج من المنزل إلا لظرفٍ طارئ كي لا تضطر إلى رؤيتهم. عن ذلك تقول إن كثيراً من النساء ممن يعملن معهم عرضن عليها العمل معهنّ وبرواتب مجزية، كونها تتقن لغة الإنكليزية إلى جانب العربية، بل إنّ الأمر وصل في بعض الأحيان إلى التهديد، إلا أنّها كانت ترفض ذلك رفضاً قاطعاً مُعللةً رفضها بانشغالها الدائم في رعاية والدتها المُسنّة، وعملها التطوّعي الذي تقوم من خلاله برعاية الأطفال داخل المدينة.
تصف مها حالة الفتاة العزباء داخل الرقة بالكارثية، فهي لا تسلم من تحرّش نساء الـ"داوعش"، ومحاولاتهن تزويجها بعناصر التنظيم بحجّة "التحصين وردّ الأذى عن المرأة المسلمة" كما يدّعون. وللتنظيم مكاتب خاصة تسعى إلى جذب الفتيات والأرامل للزواج بمقاتليه مثل مكتب "سهم اليتيم"، الأمر الذي دفع بكثير من الفتيات والنساء إلى هجر مدينتهن خوفاً من استمرار الابتزاز؛ بل إنّ بعض الفتيات أقدمن على الانتحار بسبب ضغط الـ"دواعش" على الأهل من أجل الزواج. ويعرف أهل الرقة أمثلة على ذلك.

قنابل موقوتة
لعلّ أكثر ما يشغل بال مها ورفيقاتها القلائل اللاتي بقين داخل الرقة هو مستقبل أطفال المدينة، فالتنظيم لم يترك وسيلةً من وسائل الترهيب والترغيب إلا وقام باستخدامها من أجل تجنيد الأطفال. فمع الخسارة اليومية لمقاتليه في معاركه المستمرّة، ومع تشديد الرقابة على الحدود أصبح واضحاً افتقاره إلى مجندين جدد قادمين من الخارج، الأمر الذي دفعه بشدّة إلى التركيز على الأطفال واليافعين داخل المدينة.
لهذا السبب أقام معسكراتٍ كثيرةً لتدريبهم وتأهيلهم، كما قام بافتتاح عدد من المدارس تُدرّس المناهج التي أصدرها في مطلع العام الحالي، إذ تؤكد مها ذلك قائلةً: "إنّ أخطر ما نواجهه على المدى البعيد هو مستقبل هؤلاء الأطفال الذين يتم غسل أدمغتهم داخل مدارس داعش، حيث سيصبحون على المدى البعيد قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أيّ لحظة، حتّى وإن تحررت الرقة من داعش".
ما تقوم به مها وكثيرٌ من رفيقاتها هدفه الأول مواجهة الغزو الثقافي والفكري الذي يعمل عليه تنظيم داعش، والتصدّي للأفكار الظلامية التي يبّثها في عقول الناس عامّةً والأطفال على وجه الخصوص. تقول في هذا الصدد: "من واجبنا المحافظة على أولئك الأطفال، وما نقوم به على مستوى المبادرات الفردية قد يعطي نفعاً أفضل من السكوت عن هذا الأمر".
مها، شابة رقيّة تحاول مقاومة الموت داخل مدينتها، شأنها في ذلك شأن كثير من نسائها القابعات تحت حكم "داعش"، وتتسلّح بالقراءة والحرف اليدوية، ورعاية الأطفال، وتتطلع إلى مستقبلٍ وصفته بالمجهول، لكنه سيبقى حتماً أرحم من دموية هؤلاء الوحوش المنفلتة على حدّ تعبيرها.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment