كُلّنا منال عاصي!

08/23/2016 - 18:30 PM

بقلم فاديا فهد *

كُلّنا منال عاصي! كلٌّ منا تعرّضت ذات يوم لعنف معنوي، أو كلامي أو حتى جسدي، وقابلَتْه بالصمت. الصمتُ المُبَرَّر إجتماعياً وعائلياً بالعبارة الشهيرة "عيب، اسكتي". فالتُهمة جاهزة لوَصم المرأة الضحيّة وطعنها بشرفها وإخلاصها، حتى من أقرب المقرّبين، وتبرئة الرجل المجرم المعتدي، وتصويره بصورة البطل المدافع عن شرف العائلة، والأب الحنون الحريص على مستقبل أولاده.

القانون اللبناني ينظرنا، نحن النساء، بعين نصف مُغمضة. يعدُّ الضحايا منّا، ضحيّة بعد ضحيّة، ويبتسم بسخرية ماكرة. هو يكره النساء، ويكره حقوقهنّ: من حقّ المرأة بالحماية من العنف الأسري، الى حقّ المتزوجة من أجنبي منح أولادها الجنسية، مروراً بالإعتراف بالتحرّش الجنسي في أماكن العمل، وحقّ المطلقة بالوصاية على أولادها، وغيرها. حتى عندما يُحدّث القانون ويرتدي زيّاً "آخر موضة"، يجد ألف قناع كي يتنكّر به، ويُطبّق بطريقة ذكورية.

في قضية منال عاصي، لبس القانون قناع خيانة زوجية و"نوبة غضب": يحقّ للرجل الغاضب ما لا يحقّ لغيره، وتستحقّ المرأة الضحية الموت ميتة وحشية على يد زوجها. فهي خائنة، وهو غاضب حتى الضرب المبرح، والقتل بطنجرة الضغط، ثم "امتصاص الدماء من فم زوجته وبصقها في وجه والدتها"، كما ورد في التقارير.

هكذا حكمت القاضية في قضية منال عاصي، من دون أن تستمع الى دفاع الضحية عن نفسها، ومن دون أن تأخذ في الإعتبار سلوك الزوج العنفي، معيدةً بذلك إحياء قانون الشرف المُلغى منذ عام 2011 بأسلوب عصري متجدّد.

نعم يحقّ لك ان تغضب وتقتل زوجتك بطنجرة الضغط، أو بالمقلاة، أو حتى بالمطرقة إن توافرت... إختر ما شئت واضربها، وتلذّذ بتذوّق دماءها الساخنة تماماً مثل قاتل بربري، فالقانون في صفّكَ. قانون الأحوال الشخصية متوارث من أيام جدودنا وقد بات من تراثنا اللبناني، ولن يتغيّر، بكفالة رجال الدين من الطوائف المختلفة، ومباركة أهل السياسة والتشريع معاً.

قانون "حماية النساء من العنف الأسري" يُطبّق ذكورياً، في مجتمع تطلب فيه المرأة "الستر"، فتعنّف بصمت، وتموت بصمت، وتُدفن بصمت.

يبقى ان نسأل: أيّ مفارقة هذه ان تصدر قاضيتان امرأتان حكمين في قضيتين نسائيتين مفصليتين، يُعيدا المرأة الى العصور المظلمة: قضية منال عاصي ومعها عودة الى قانون الشرف، وقضية سميرة سويدان التي نَزع عنها حكم قاضية امرأة أيضاً حقّاً كان منحها إياه القاضي جون القزي في حكم سابقة يقضي بمنح جنسيتها اللبنانية لأولادها؟ أليس في ظلم المرأة للمرأة قتلاً من نوع آخر؟.

كلّنا منال عاصي وبغداد العيسى وبثينة الزين وصونيا ياغي بدرجات مختلفة. ما مُتنا بعد! قبورنا مفتوحة في انتظار الضربة القاضية. لن نطالب بقانون ينصفنا ويحمينا في مجتمع يؤلّه البطش والقوّة والقتل... لن نتظاهر، لن نرفض، لن نثور. سنموت بصمت. أليس هذا ما تريدونه؟!.

* صحافية وشاعرة لبنانية

 

المقال نشر في صحيفة الحياة.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment