وطن بشير

08/23/2016 - 01:03 AM

 

بقلم نجم الهاشم

 

يحتاج قصر بعبدا الى بشير الجميل. يحتاج الى مشروع جمهورية بشير الى رئاسة على قياس الجمهورية القوية التي يريدها سمير جعجع.

لم تكن “القوات” مشروع حرب بل مشروع دولة. هي لم تذهب الى القتال إلا دفاعًا عن الدولة وعن الجمهورية خوفاً عليها من الانهيار ومن الضياع ومن الارتهان ومن السقوط. لذلك عاش هذا المشروع مع بشير ولكنه لم يسقط معه. الذين اغتالوه حاولوا اغتيال هذا المشروع. لم يكن اغتيال بشير الجميل الشخص والإنسان وقائد “القوات” بل محاولة لاغتيال الجمهورية. ولكن بعد بشير بقيت “القوات” وبقيت تحمل هذا المشروع.

لقد صنع بشير الجميل من المناطق الشرقية مثالاً للجمهورية. لم تكن “القوات اللبنانية” مجرد تنظيم عسكري بل تنظيمًا كاملاً للمناطق الشرقية بانتظار أن يتعمم هذا النموذج على كل لبنان.

لم يكن هذا المشروع مشروع بشير الجميل. حتى بشير الجميل لم يكن صنيعة نفسه. لقد أتى الرجل من بيئة سياسية حملت هذا المشروع. هو ابن “الكتائب” وابن الجبهة اللبنانية وبهذا المعنى اختصر شخصيات كثيرة: بيار الجميل رجل الصيغة وكميل شمعون رجل الثورة وشارل مالك عقل القضية ووجدانها وشربل قسيس راهب القضية وبولس نعمان المجاهد في سبيلها وإدوار حنين المنظّر لها وفؤاد افرام البستاني مؤرخها وجواد بولس تاريخها. من هذا الرحم خرج بشير الجميل. ومن هذا الرحم خرجت “القوات اللبنانية”. ومن أجل ذلك بقيت وتستمر.

لم يبدأ مشروع بشير من أجل الجمهورية عندما حمل السلاح. ولم يبدأ عندما نزل الى المجلس الحربي. مشروع هذه الجمهورية هو مشروع تصحيح جمهورية لبنان الكبير. ثورة على نظرية أن قوة لبنان في ضعفه. ثورة من أجل أن تكون قوة لبنان في قوته. هو مشروع إطلاق روح النضال من أجل هذه الجمهورية.

جمهورية بشير ليست جمهورية مسيحية ولا جمهورية يعيش فيها المسيحيون أو يعيش فيها المسلمون. ليست جمهورية العيش المشترك. إنها جمهورية الـ 10452. جمهورية كل لبنان. جمهورية كرامة المواطن. جمهورية المواطنية. الوطن الذي يعيش فيه مواطنوه من كل الطوائف متساوين في الحقوق والواجبات. إنه وطن المؤسسات ودولة الكفاءات والحرب ضد الفساد.

عندما وحّد بشير الجميل البندقية كان ذلك من أجل لبنان. كان مدركاً أن حلم بناء هذه الجمهورية يجب أن يبدأ من مكان ما. من أرض ما. مع جماعة ما. منذ البداية عندما رأى هذه الجمهورية تنهار كان لا بد من عملية إنقاذ. من هنا بدأت الحرب.

في حرب عين الرمانة، في الأسواق، في حرب المية يوم، وفي حرب زحله، لم يكن يدافع عن الأشرفية وعن زحله. كان يدافع عن لبنان.

لم يرد أن يذهب الى الرئاسة وحيدًا. كان يعرف أن بإمكانه الوصول عبر انقلاب كامل على المؤسسات ولكنه اختار طريق المؤسسات.

كان يكفي أن ينتخب فقط حتى تستقيم أمور الدولة، وحتى تعود الروح الى المؤسسات.

كان يكفي أن ينتخب حتى يعود لبنان الى مساحته الأصلية الـ10452 كلم مربع.

كان يكفي أن ينتخب حتى تسقط الساحة ويعيش الوطن.

كان يكفي أن ينتخب حتى يشعر الناس أنهم صاروا مواطنين.

كان يكفي أن ينتخب حتى تصير “القوات اللبنانية” على قياس هذا الوطن.

كان يكفي أن ينتخب حتى يعود لبنان الى لبنان.

ولكن الذين اغتالوه أرادوا اغتيال هذا اللبنان وهذه الجمهورية. لأنهم منذ قيام لبنان في العام 1920 كان هناك من لا يريد هذه القيامة، ومن يعمل على هدم ذلك الوطن.

بعد اغتيال بشير اعتقدوا أنهم اغتالوا تلك الراية المرفوعة وتلك الرؤية وذلك الحلم، وأن “القوات” لن تقوم لها قائمة. ولكن خابت آمالهم.

كانت متابعة مسيرة بشير صعبة ولكنها لم تكن مستحيلة. سقط القائد شهيدًا ولكن القضية بقيت حية. وبقي هناك من يتجرأ على حملها وعلى تولي القيادة مدركاً أنها مهمة مقدسة وأن الاستشهاد في سبيلها واجب.

هكذا كانت قيادة سمير جعجع. وهكذا تمت متابعة الطريق التي رسمها بشير لنفسه ولـ”القوات”. ولذلك استمرت الحرب على “القوات”. استمرت ليس لأن اسمها “القوات اللبنانية” بل لأنها تحمل مشروع الوطن. وطن بشير. وطن اللبنانيين. وطن الحرية.

لو لم تكن “القوات” كذلك لنامت في مستنقعات السياسة ولصارت من التابعين ومن بين حلفاء النظام السوري مجرد اسم بين الأسماء.

ولأنها “القوات” كان عليها أن تعيد رسم الصورة وتضخ فيها الروح. ولذلك كان عليها أن تخوض معارك جديدة.

ضد احتوائها وتهميشها واستتباعها.

ضد الفوضى وتجاوز القانون.

ضد الفساد والمفسدين.

كان عليها أن تقاتل من أجل وضع حد للحرب. لم يكن القتال بالنسبة الى “القوات”، لا مع بشير ولا مع سمير، مجرد مهنة. ولم تكن الحرب. مجرد غاية وهدف.

لذلك أعاد سمير جعجع رسم خارطة الوطن النموذج في المناطق الشرقية بعد أربعة أعوام فقط على غياب بشير.

كما مع بشير، عادت هذه المناطق صورة مصغرة عن لبنان. لبنان الـ 10452 الذي لا لبنان غيره في قاموس “القوات” وفي سجلات تاريخها.

قبل 1990 وضع سمير جعجع حدًا للحرب. منذ العام 1986 توقفت المعارك على الجبهات ولكن بقيت خطوط التماس بانتظار حل يعيد لبنان وطناً.

من أجل هذا الوطن ذهبت “القوات” الى الطائف. ومن أجل هذا الوطن سلمت السلاح. ومن أجل هذا الوطن تحملت الاعتقالات وقرارات الملاحقة والحل والقمع والسجن. ولكنها بسبب إيمانها بأنها ستبقى الأقوى انتصرت على عهد الوصاية كما انتصرت على عهد الاحتلال.

ولأنها كانت تتابع قضية بشير الجميل كان سمير جعجع هدفاً للاغتيال أكثر من مرة.

لو لم يتم اغتيال الشيخ بشير في ذلك الـ14 أيلول في العام 1982 كانت محاولات اغتياله ستتكرر. ولكنه لم يكن أبدًا ليتراجع عن حلم وطن بشير.

ولذلك أيضًا لا يتراجع سمير جعجع.

كما حمل بشير الجميل مشروع الجمهورية القوية حمله سمير جعجع.

وطن بشير قياسه الحلم. حلم كل واحد منا. هو وطن تحلم بأن تعيش فيه وأن تستشهد من أجله وأن تموت فيه. وطن لك ولأولادك كما كان وطناً لأجدادك قبل أن يصير جمهورية. وطن لا تفكر بهجره. وطن تستحق من أجله الشهادة ولكن تستحق من أجله الحياة أيضًا.

 
 
عن المسيرة

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment