بشير الجميّل "الميتولوجي" والواقعي بعد 34 عاماً

08/23/2016 - 01:01 AM

 

إيلي الحاج

 

يجسّد بشير الجميّل عند مسيحيي لبنان صورة القائد الوطني بمقدار من الميتولوجيا يصعب معه المسّ بصورة بطل الحرب الإستثنائي الذي كانه ، وعلى الجانب الآخر لا يزال فريق واسع من اللبنانيين والعرب يربطون اسمه بزاوية ضيقة تطل على تعاطيه وإسرائيل وقتاله "منظمة التحرير الفلسطينية" والجيش السوري وقوات "الحركة الوطنية" وقوى إسلامية.

 

لا يتيح التطرفان في مقاربة بشير الجميّل رغم مرور 34 عاماً على اغتياله بالصورة البشعة التي اغتيل بها الكتابة عنه بحد من الموضوعية. رغم ذلك تظل ممكنة محاولة إعادة قراءة لسيرته ومقارنة بحاضر لبنان واستخلاص عبر للحاضر والمستقبل.
كان بشير الجميّل عميق الجذور في فكرة "لبنان المقدس"، فكرة مستقاة عند المسيحيين من ارتباط اسماء جباله بالعهد القديم واعتقادهم بأن هذه البقعة التي صمد فيها أجدادهم وقديسوهم جيلاً بعد جيل اصطفاها الله وميزها عن محيطها، وهم يرتلون للبنان المقدس مزامير من "نشيد الأناشيد" وسواه في صلواتهم وقداديسهم. في مراحل من تاريخهم الطويل تمتعوا بنوع من استقلال، وحرية لطالما تمسكوا بها ودفعوا أثمانها غالياً، حتى يمكن اعتبارهم "طائفة الحرية" بحسب أحد منظريهم المونسنيور ميشال حايك. معظم ردود فعل مسيحيي لبنان حيال التحديات التي واجهتهم تاريخياً وحديثاً تعود إلى تمسكهم بحرياتهم أو خوفهم عليها من عقائد ومعتقدات لجماعات تجاورهم ويظنون هم، عن حق أو عن وهم، وبناء على سوابق، أنها تضيق بحرياتهم واختلافهم وتريد إخضاعهم. كل خياراتهم الأساسية تنطلق من هذه الثابتة في تفكيرهم، وهي التي حملتهم على النضال مئات الأعوام من أجل التوصل إلى وطن يعيشون فيه، هم وغيرهم، على قاعدة الحرية الدينية والشخصية. لشدة تخوفهم عليها ووقع نكبات الماضي في لاوعيهم الجماعي المتناسل، ما كانوا يثقون بسهولة بأن لبنان سيبقى وطن حريات إذا لم يكونوا متحكمين في حكمه وقراره وسياسته العامة.
ساق البطريرك الماروني الياس الحويّك أمام رؤساء العالم في فرنسا بعد الحرب العالمية الأولية نظرية لم يسبق لها مثيل لإقناعهم بإنشاء "دولة لبنان الكبير": إنها المرة الأولى في تاريخ هذه المنطقة سيكون فيها ولاء المسيحيين والمسلمين للوطن وليس للدين. لا تنفي هذه المقولة واقع أن المسلمين في بيروت والمناطق التي ألحقت بدولة لبنان أرغموا على الإلتحاق بدولة يهيمن المسيحيون أبناء جبل لبنان عليها فيما هم لا ينتمون إليها تاريخياً. وان المسيحيون ألحوا على مطلبهم ومشروعهم وربحوه في ظرف سياسي دولي معيّن كي يحققوا لدولتهم أسباب حياة، فلا تتكرر في أبنائهم "مجاعة حرب الـ14 " لافتقارهم إلى السهول والمرافئ.
سينضم المسلمون بغالبيتهم لاحقاً إلى الحياة السياسية اللبنانية، وسيعلن الرئيس صائب سلام رفضه أن يزايد أحد على لبنانيته ويتفق الرئيس رفيق الحريري ضمناً وسراً تمام الإتفاق على النظرة إلى لبنان مع البطريرك نصرالله صفير ويدفع الثمن حياته شهيداً بطريقة أبشع من اغتيال بشير، وسيرفع الرئيس سعد الحريري شعار "لبنان أولا" وتكر سبحة شهداء، ويحلّ "حزب الله" محل جيش حافظ الأسد في لبنان، ثم ينفرط عقد الآمال مجدداً بسبب تغليب الحسابات الحزبية والشخصية على الوطنية. إنما هذا موضوع آخر.
كان بشير الجميّل عميق الجذور عائلياً أيضاً لكنه لم يكن عائلياً بشهادة غالبية من عرفوه، وحتى لم يتعلق به الناس ومحبوه بسبب من حزبه. والعائلة قبل الحزب في لبنان، ويراوغ من ينفي هذه الحقيقة أياً يكن حزبه ( باستثناء "حزب الله" والحزب الشيوعي). قلة تعرف أن جدّ والده الشيخ بشير الجميّل كان لمدة طبيب متصرفية جبل لبنان زمن المتصرفية، وجدّه الطبيب من جامعات فرنسا والكاتب الشيخ أمين الجميّل هرب من العثمانيين مع "الشوام" كما كانوا يسمونهم إلى مصر، ووالده الصيدلي الشيخ بيار الجميّل مؤسس الكتائب أشهر من التعريف.
ويباهي مسيحيو لبنان، البيئة التي نشأ فيها بشير، بأنهم مقاتلون تاريخياً عندما يستشعرون الخطر. ليسوا كمسيحيي العراق وسوريا ومصر. على هذا بنت الكتائب اللبنانية شعارها القديم "إذا تهدّد لبنان الخطر فبمن تفكر؟ الكتائب". جاء الخطر مرة بعد الإستقلال سنة 1958 في عز صعود الرئيس المصري جمال عبد الناصر وكانت الكتائب بجناحها شبه العسكري منذ نشأتها جاهزة. اهتزت "فكرة لبنان بجناحيه"، وستقع في 1975.
ارتكبت المواقع السياسية الرئيسية عند المسيحيين أخطاء كبيرة بعد 1958 أعظمها إسقاط الشهابية التي كانت صمام أمان للبنان بكل أبنائه من خلال تفاهمها مع الرئيس جمال عبد الناصر، والتهاون مع المنظمات الفلسطينية وصولاً إلى القبول بـ "إتفاق القاهرة" تحت الضغط. سيكمل المسيحيون التعامل مع المتغيرات "تحت الضغط" ومن غير تخطيط مسبق، خلافاً لما اتهمهم به خصومهم. بعد عام 1980، وكانت مرت 5 أعوام على الحرب، فقد بشير الجميّل الأمل في الحلول العادية، فبدأ يتحدث عن "تحرير لبنان" من التنظيمات الفلسطينية المسلحة وجيش حافظ الأسد الذي خاض في وجهه أشرس المعارك. "تحت الضغط " ووطأة المجازر قرر فتح الباب على إسرائيل وأدخل لبنان على قائمة الدول المرشحة لعقد سلام معها بعد مصر، فتبنت مشروعه أميركا ودول أخرى. حتى اليوم لا تزال دول عربية كبرى مترددة أمام هذا الخيار المقبل عليها عاجلاً أم آجلاً. كان جريئاً بشير الجميّل لكنه سبق الزمن خمسين سنة. وفي النهاية كان هو أيضاً ضحية الحرب كبقية ضحاياها. شارك فيها ببسالة واستشهد منتصراً.

 
 
النهار
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment