الاقتصاد السوري: دروس من لبنان

07/18/2016 - 19:13 PM

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تمر سوريا منذ سنة 2011 بأوضاع مشابهة لما حصل في لبنان بدأ من سنة 1975. هذه الحرب المدمرة مكلفة جدا للاقتصاد وللشعب وللمنطقة العربية ككل. التكلفة لا تقتصر فقط على الماديات والبنية التحتية، وانما تتعداها الى التكلفة الانسانية والبشرية والاجتماعية وغيرها.

خلاص سوريا هو خلاص للبنان أيضا

في لبنان نحن متأثرون جدا بالحرب في الدولة الصديقة الوحيدة التي لنا حدود برية معها. علاقاتنا بسوريا تبدأ بالترابط الشعبي الى الزيارات والنقل والسياحة والاستثمارات وغيرها. خلاص سوريا هو خلاص للبنان أيضا، لأننا لن نعرف الازدهار الاقتصادي مجددا قبل أن تنهي الحرب في سوريا.

قبل الحرب، كانت الأوضاع الاقتصادية السورية ناشطة والقوانين تتأهل تدريجيا. كان التقدم واضحا في التعليم والصحة والبنية التحتية. لم تكن المشكلة السورية اقتصادية، بل سياسية بامتياز وكان هنالك تقصير كبير واضح ومزمن على هذا الصعيد. حصلت الحرب للأسف ولا شك أنها أعادت الاقتصاد السوري عقودا الى الوراء. في دراسة قيمة لصندوق النقد الدولي، تشير الى أن الناتج المحلي الاجمالي السوري هو نصف ما كان عليه في سنة 2011. بعد انتهاء الحرب، لن يعود الاقتصاد الى مستوى 2011 الا بعد عشرين سنة على الأقل. الخسارة كبيرة للجميع في سوريا ولا شك أن وقف الدمار والقتل من قبل الجميع ضروري للقيام بالتواصل الحواري الجدي والشفاف بأسرع وقت.

الاصلاحات الاقتصادية

قبل الحرب، كانت الحكومات السورية تحاول القيام بالاصلاحات الاقتصادية. بدأت بتحرير الاقتصاد لتشجيع الاستثمارات. وصل النمو في سنة 2008 الى 4,5%، 5,9% في 2009 و 3,4% في 2010 في وقت كان العالم الغربي كما الناشئ يعاني من أزمة الركود الاقتصادي الكبير. كان الاقتصاد بالتالي مستقرا بالرغم من تقصير الحكومات المتعاقبة في معالجة مشاكل الفساد والبطالة والفقر. وصلت نسبة البطالة الى 10,9% في سنة 2008، 8,1% في 2009 و 8,6% في 2010 علما أن الأرقام الحقيقية يمكن أن تكون أعلى في غياب الشفافية المفقودة في الحقيقة في كل اللعالم العربي. لم يعم النمو كل المناطق السورية كما لم يتوزع بشكل عادل بين طبقات الشعب مما ساهم في خلق موجة من الغضب والرفض. حكما لم تكن الاصلاحات السياسية كافية ولم تستفد منها كل أقسام الشعب بل استفاد منها قسم قليل من السياسيين والأفراد.

كان هنالك عجز مقبول في الموازنة بحدود 2,9% في كل من سنتي 2008 و 2009 و 8% في سنة 2010 بسبب تدني الايرادات النفطية. بقي الدين العام في حدود 30% من الناتج حتى سنة 2010 وهذا ممتاز دوليا. أما ميزان الحساب الجاري، فتحول من فائض 0,2% من الناتج الى عجز 1,5% فالى فائض 0,9% من الناتج في 2010. هذه أيضا أرقام مقبولة لاقتصاد يحاول في منطقة مضطربة لم تعرف الهدؤ الحقيقي منذ عقود من الزمن. بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة 2,8% من الناتج في 2008، 4,8% في 2009 و 3,8% في 20010. ربما هنا كان هنالك تقصير في جذب استثمارات أكبر عربية وأجنبية لم تأت على الأرجح بسبب ضعف الثقة في الاقتصاد المحلي وربما في اقتصاد المنطقة ككل. أما الاحتياطي النقدي، فوصل الى 20,7 مليار دولار في سنة 2010 ليغطي 12 شهر من الواردات وهذا جيد بالمعايير الدولية.

الكارثة الانسانية كبيرة

بدأ من سنة 2011 وبسبب الحرب، انقلبت الأرقام رأسا على عقب ودخل الاقتصاد السوري في نفق مظلم ولم يقترب ربما بعد من الخروج منه. العنف الحاصل مدهش ومؤلم كما أن الكارثة الانسانية كبيرة بالاضافة الى ارتفاع غير مسبوق في الهجرة والبطالة والفقر. الأطفال هم الخاسرون الأساسيون اذ أن المستقبل أصيب، كما أن العناية الصحية المتوافرة للجميع لم تعد مقبولة. هنالك مشكلة غذائية واضحة بسبب عدم توافر السلع ولصعوبة ايصالها الى أماكن الحرب والعنف والدمار بالاضافة الى فقدان الكهرباء والمياه في العديد من الأماكن والقرى والمدن. فعلا عودة كارثية الى الوراء. سقط النمو الى سلبي 5,9% في 2011، 21,3% في 2012 وهلم جرا. ارتفعت البطالة الى 14,9% في 2011 ووصل التضخم الى 37,4% في سنة 2012 بسبب ضعف العرض الناتج عن انخفاض الانتاج وتعثر النقل. ارتفع عجز الموازنة الى 22,1% في سنة 2014 بسبب انهيار الايرادات الضرائبية والنفطية. ارتفع الدين العام الى 149,9% من الناتج في سنة 2015. انهار الاحتياطي النقدي الى 5 مليارات دولار في 2014 ومليار واحد السنة الماضية أي ما يكفي لتغطية شهر واحد فقط من الواردات. كارثة اقتصادية تنعكس سلبا على كل شيء.

ما هي الانعكاسات الأخرى على الاقتصاد السوري؟

أصيب انتاج النفط والغاز كما دمرت أقسام أساسية من البنية التحتية. بين سنتي 2010 و 2015، انخفض انتاج النفط 89% والغاز 56% تبعا للمناطق التي يتوافران فيها. انخفض الانتاج الزراعي 57% والصناعي 77% والانشائي 70%، كما انخفض انتاج الخدمات العامة من كهرباء ومياه وغيرها بنسبة 37%. تأثر قطاع الخدمات سلبا بنسبة 46% بكل أقسامه كالتجارة والنقل والمصارف والتأمين وغيرها. سجل خروج كبير لرؤوس الأموال للايداع أو الاستثمار في الخارج كما انهار الاستثمار الأجنبي في الداخل. انهار سعر الصرف الرسمي من 46,5 ليرة للدولار في سنة 2008 الى 48,3 في 2011 الى 154,1 في 2014 و 259,9 ليرة في سنة 2015 مع كل ما يعني من تأثير على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود والاقتصاد ككل.

دروس التجربة اللبنانية المعروفة سوريا وعالميا

ما المطلوب اليوم وغدا وما هي دروس التجربة اللبنانية المعروفة سوريا وعالميا، ولا بد من التذكير بها للمصلحة المشتركة والعامة؟

أولا: تقصير مدة الحرب التي دمرت الكثير حتى اليوم وستدمر أكثر اذا استمرت. حكما القرار ليس سوريا فقط اذ تداخلت العوامل الداخلية بالخارجية، لكن يبقى الضغط الشعبي السوري مهم جدا. الخسارة الاقتصادية تكبر مع استمرار الحرب وتكلفة الاصلاح تكبر هي أيضا. بعد أكثر من 25 سنة من اتفاق الطائف اللبناني، لم نعد بعد الى مستويات سنة 1975 بسبب السياسة وبقاء شظايا الحرب السياسية موجودة بقوة داخل المجتمع اللبناني. لو لم تحصل الحرب، لكان اللبناني أغنى بين 3 و 5 مرات عما هو عليه اليوم مما يشير الى حجم وعمق الخسارة المادية التي لن تعوض. اذا أضفنا اليها هجرة الأدمغة تصبح التكلفة أكبر بكثير.

ثانيا: لا أحد يهتم بلبنان أكثر من اللبنانيين، ولا أحد سيهتم بسوريا أكثر من السوريين. اذا لم يحصل هذا الوعي بل هذا التواصل الحتمي، ستستمر الحرب وترتفع الخسارة المادية والبشرية والانسانية الى مستويات أخطر وأكبر والتعويض سيكون مكلف أكثر بكثير.

ثالثا: كما في لبنان، اعادة بناء الحجر صعبة وحتى اليوم لم نبن كل ما خسرناه. لكن اعادة بناء الانسان أصعب بكثير وهذا ما زلنا نعاني منه حتى اليوم. من مظاهره عدم قدرتنا كمجتمع على انتخاب رئيس للجمهورية وعدم القيام بالمهمات التي يطلبها اللبناني العادي من كهرباء ومياه وبنية تحتية وقرارات عادية من تعيينات ادارية ضرورية.

رابعا: ستبقى العلاقات اللبنانية السورية قوية في السراء والضراء. عندما تنتهي الحرب السورية وستنتهي يوما ما، سيشارك اللبنانيون في الاعمار استفادة من تجربتهم خاصة في القطاعات التي للبنان فيها ميزات تفاضلية وفي طليعتها الخدمات المصرفية والتأمينية والتعليمية والاستشفائية وغيرها. يمكن الاستفادة من القوانين الاقتصادية والمالية الجيدة التي أقرت في العقود الماضية ويجب الاستفادة من القدرات البشرية السورية واللبنانية الموجودة في المنطقة وعالميا في مختلف المجالات والتخصصات والحقول. حتى في الظروف الصعبة التي نمر بها اليوم، يجب التفكير في المستقبل حتى عندما تأتي الحلول السياسية سنكون جاهزين للاعمار بأقصى سرعة ممكنة وأدنى تكلفة ممكنة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment