الانسحاب الأميركي من أفغانستان: ملاحظات أولية

08/19/2021 - 19:06 PM

Arab American Target

 

 

د. سنية الحسيني

 

لم يكن الانسحاب الأميركي من أفغانستان مستغرباً، فالاحتلال عموماً إلى زوال، وطالما أنهت الولايات المتحدة احتلالها لدول الغير بانسحاب مذل كذلك الذي شهدناه قبل أيام في كابول، فخروجها في الماضي من فيتنام والصومال والصور التي التقطت لتلك اللحظات بقيت مطبوعة في الاذهان. تدعي الولايات المتحدة أنها انسحبت من أفغانستان لأنه لم يعد لها مصلحة في البقاء. والحقيقة أن إنسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في هذا الوقت بالذات، والذي جاء بعد إنقضاء عقدين كاملين من الاحتلال، يبدو محيراً.

 

فإذا جاء انسحابها اليوم بحجة أنها حققت الهدف من غزو أفغانستان عام ٢٠٠١، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فهذا غير صحيح، إذ نجحت الولايات المتحدة بهزيمة القاعدة المسؤولة عن الهجوم وأسقطت حكم حركة طالبان في أفغانستان بعد فترة قصيرة واحتلت البلاد. والحقيقة أن الولايات المتحدة تخرج اليوم من أفغانستان بعد أن تركت الساحة خالية لحركة طالبان، ومع وجود جدل كبير في مراكز الدراسات الأميركية حول مستقبل القاعدة في ظل الوضع الجديد وسيطرة حركة طالبان على البلاد. واذا جاء انسحابها انطلاقاً من نجاحها في ترسيخ نظام أفغاني صديق وحليف للولايات المتحدة، استغرقت من أجل تشييده عقدين كاملين، وأنفقت لاعداده ترليون دولار، فعلى الولايات المتحدة أن تعترف بهزيمتها، لأن توقعاتها بصموده لاشهر بعد انسحابها أيضاً جاءت مخيبة تماما كما جاء تخطيطها لبنائه وترسيخه.

 

كما أنه من الصعب اعتبار خروج الولايات المتحدة من أفغانستان حنكة سياسية، على أساس أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد في صلب اهتماماتها، وأنها تضع كل ثقلها السياسي اليوم بمحاصرة وتقويض الصين. إن الدور الذي تلعبه أفغانستان، البلد الغني بالموارد الهامة، لا يبتعد كثيرا عن الملعب الصيني. وتسعى الصين، التي تمتلك حدود مع أفغانستان، لأن تكون أفغانستان ضمن مخطط طريق الحرير، وهو الأمر الذي بات ممكناً أكثر، خصوصاً وأن حركة طالبان مدعومة بشكل أساس من حكومة باكستان الحليفة المقربة من الصين. وقد يشير تكثيف التواصل بين حكومة الصين وحركة طالبان مؤخراً إلي تطورات محتملة قريبة في العلاقة بين البلدين. وتبقى أفغانستان بموقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية دولة مهمة لإيران، العدو المعلن للولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط، وورقة مهمة ممكن أن تستخدم ضد الولايات المتحدة، خصوصاً بعد أن خسرت الولايات المتحدة أفغانستان وباتت علاقة حركة طالبان مع صانع القرار الإيراني محمل تخمين وتحليل لمستقبل غير مضمون.

   

ويبقى السؤال المحير، لماذا انسحبت الولايات المتحدة الان وبهذه الطريقة المذلة وهي لم تحقق أياً من أهدافها. ويبدو أن الولايات المتحدة أقرت بهزيمتها، بعد فشلها في تحقيق أهدافها، فأرادت أن تغرق البلاد في حالة من الفوضوي وربما حرب أهلية، تعطل مصالح الصين في أفغانستان ومستقبل أي تعاون إقتصادي مستقبلي ممكن معها، وتشكل خطرا اضافياً على أمن إيران والتي يمكن أن تتورط بشكل أو بآخر في هذه الحرب. كان قد جاء في تقرير للمخابرات الأميركية أن الجيش الافغاني يمكنه أن يصمد أمام مقاتلي طالبان لأشهر، أي أن الولايات المتحدة كانت تضع في اعتبارها احتمال لاشتعال فتيل الحرب الأهلية.

 

كما يبدو أن الولايات المتحدة عجلت في عمليات انسحابها من أفغانستان، في ظل التقدم السريع والمحسوب لحركة طالبان، بهدف التراجع عن وعودها لاتباعها والمحسوبين عليها من الأفغان، والذين وعدتهم بالحماية، ويقدر عددهم بعشرات الآلاف، فركزت على اخلاء الأمريكيين من كابول، وتركت الالاف ممن وثقوا بها ليلقوا مصيرهم المحتوم. ولا تخرج تلك الصور واللقطات لألاف الأفغان الذي تبعوا القوات الأميركية إلى مطار كابول طلباً للحماية الأميركية، عن هذا التفسير المرتبط بالوعود الاميريكية لهم.  

 

هناك عددٍ من الملاحظات الهامة:

  • يأتي استثمار الولايات المتحدة في أنظمة حكم إما بتركيبها أو بدعمها بهدف تحقيق مصالحها وليس بهدف ادعائها بتحقيق الديمقراطية. وأكدت كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميريكية السابقة، عام ٢٠١٧ على أن هدف الولايات المتحدة من غزو العراق وأفغانستان لم يكن تحقيق الديمقراطية، بل تحقيقاً مصالح بلادها الخالصة. أن ذلك يفسر سياسة الكيل بمكيالين فيما يتعلق بتطبيق القيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الانسان، ففي حين تتغاضى أميركا عن تطبيق تلك القيم والمبادئ من قبل حلقائها، تستخدمها ذريعة لانتقاد الأنظمة التي  تتعارض معها وتتحدى سياساتها.

 

  • أثبتت التجارب تخلى الولايات المتحدة عن حلفائها بسهولة، بعد تحقيق مصالحها أو فتور إهتمامها أو هزيمتها. وترسم صور الاف الأفغان الذين تركتهم القوات الأميركية حول السفارة الأميركية في كابول وحول طائرات النقل العسكرية في مطار العاصمة الأفغانية لمصيرهم الغامض هذه الحقيقة. لم تتخل الولايات المتحدة عن اتباعها في أفغانستان فقط، فقد فعلت ذلك في العراق أيضاً بعد انسحاب قواتها عام ٢٠١١، وتركت الكثيرين منهم يواجهون خطر التصفية والاغتيال، وحتى من استطاع منهم الخروج سالما من العراق لم تتبنه حكومة الولايات المتحدة ولم تضمن له حياة كريمة.

 

  • إن تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها لا يتعلق فقط بالافراد وإنما أيضاً بالاحزاب والجماعات المسلحة والانظمة والحكام، كما كان ذلك واضحا في أفغانستان والعراق ودول أخرى، ما أثار الشكوك لدى الكثيرين في مصداقية الولايات المتحدة، وجدوى التعويل عليها من قبل حلفائها في الأوقات الصعبة. فقد صرح عدد من القيادات الإسرائيلية، بعد سقوط كابول، بأن على إسرائيل أن تعتمد على نفسها وليس على أية جهة أخرى، في إشارة إلى الولايات المتحدة. ويعد ذلك الموقف السابق صفعة كبيرة للولايات المتحدة،  في ظل كون إسرائيل الحليف الأقرب عالمياً للولايات المتحدة.     

 

سجلت إدارة الرئيس بايدن لنفسها فشلاً ذريعاً في الطريقة المذلة التي انسحبت بها القوات الأميركية من أفغانستان، فقد كان بمقدور هذه الإدارة القيام بانسحاب يحفظ لها ماء الوجة. وستبقى صور سقوط كابول السريع في أيدي حركة طالبان وصور الفوضى التي عمت مطار كابول أيضاً حاضرة في الأذهان لعقود طويلة قادمة، كما كانت الحال في سقوط سايغون في أيدي الفيتكونج وطائرات الهليكوبتر الأميركية التي نقلت رعاياها وبعض المتعاونين معها من فوق أسطح المباني، في مشهد مشابه لما شاهدناه في مطار كابول.

 

 

 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين فيها حصراً. وموقع صحيفة بيروت تايمز غير مسؤول عن أي نص واو مضمونه.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment