من تونس الى لبنان

07/29/2021 - 19:29 PM

Arab American Target

 

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

    افتتحت تونس الانتفاضات الاقتصادية السياسية العربية الحديثة يوم أحرق محمد البوعزيزي نفسه في 17122010 بسبب الاوضاع الاقتصادية المتعثرة.  توفي في 412011 وكانت وفاته والعطف الشعبي المترافق دافعان لاستقالة الرئيس بن علي في 1412011 بعد 23 سنة في الحكم.  أعطيت جائزة نوبل للسلام لسنة 2015 للرباعي التونسي القائد الموجه والمنتفض أي اتحاد العمال، اتحاد الصناعة والتجارة والحرفيات، رابطة حقوق الانسان ونقابة المحامين.  سببت الأحداث التونسية موجة اعتراضات في العديد من الدول العربية وتغيرات أساسية في الحكم والحكومات والدساتير منها في مصر وليبيا واليمن وسوريا والمغرب والجزائر وانتفاضة صارخة في لبنان في 17102019 لم تثمر بعد.  لا شك أن جميع الشعوب العربية ترغب في العيش الحر والكريم ولا بد وأن تصل اليه.

كما أن الاعتراضات في تونس تتكرر اليوم بسبب النتائج غير الموازية لطموحات الشعب، كذلك الأمور في لبنان حيث المواطنون غاضبون ويطالبون بحلول للمشاكل المتراكمة والمهملة.  فالانتفاضة تستمر اليوم بسبب استياء اللبنانيين من النتائج السلبية الكبيرة التي وصلنا اليها على مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية.  دافع الانتفاضة الأيضافي هو عدم ظهور الحقيقة بعد فيما يخص كارثة 4 آب التي أوقعت الخسائر الكبرى بالاضافة الى غير مبالاة واضحة من قبل المسؤولين تجاه الآلام.

لماذا حصلت هذه الانتفاضات الاقتصادية المنشأ؟ فالأوضاع السياسية وحدها لا تنتج انتفاضات لو كانت الظروف الاقتصادية جيدة.  النتائج الاقتصادية السلبية تصبح متفجرة عندما تكون الأوضاع السياسية أيضا غير مناسبة للشعوب.  ألأسباب الخمسة الأساسية للانتفاضات العربية من تونس الى لبنان هي:

أولا:  البطالة المرتفعة في المنطقة العربية عموما حيث الاستثمارات قليلة نسبة لحجم المنطقة السكاني والجغرافي كما نسبة للامكانات المتوافرة التي تبقى غير مستعملة أو مهملة مما يولد الغضب.  البطالة المرتفعة تولد الفقر والتعاسة والظلم وتسيء الى الأوضاع الاجتماعية خاصة الصحية والتعليمية والغذائية.

      ثانيا:  التضخم الذي يأكل الأجور ويسبب انفلات الاٍسعار كما يحدث اليوم في لبنان.  التضخم يسبب انهيار النقد أي قيمته الحقيقية في السوق.  محاربة التضخم صعبة اذ أن وقف ارتفاع الأسعار هو من أدق المهمات التي تواجه الحكومات والمصارف المركزية.  التضخم يوتر الأجواء العامة ويعطل الخدمات ويؤثر سلبا على انتاجية القطاع الخاص.  التضخم هو مصدر للضياع والتوتر والقلق وسؤ الاداء الانتاجي في كل المؤسسات.

    ثالثا:  الفساد ولا يختلف اثنان حول وجوده خاصة في الدول النامية والناشئة.  هو موجود طبعا في الدول المتقدمة لكن المحاسبة موجودة أيضا للجميع مهما علا شأنهم وأبرز الذين حوكموا مؤخرا هو الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي.  هنالك دول ناشئة أيضا تحاكم مسؤوليها كما حصل في دولة جنوب أفريقيا مع الرئيس "جاكوب زوما" الذي يخدم فترة فوق السنة في السجن.  الفساد هو عدو الاستثمارات والفقراء.  الفساد يعطل النتائج الاقتصادية ويشوه الحقائق ويسمح لأصحاب السيرة السيئة بقيادة الدول، متحججين بحصانات تافهة لا تحمي عمليا الا الفاسدين.

    رابعا:  الحريات الضعيفة وليست فقط السياسية وانما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها.  لا يمكن للانسان أن ينمو بسلام في ظروف حريات ضيقة.  الحريات تبني الانسان وتطوره وتسمح له بالتواصل مع المجتمع الدولي بحيث تكون الاستفادة في الاتجاهين في كل الميادين.  التطور العلمي والأدبي والجامعي بحاجة الى الحريات وهذا ما يميز عموما الدول الناجحة من الساقطة.

    خامسا:  الأوضاع الاجتماعية السيئة التي تكون واضحة جدا عبر ظروف السكن ونظافة الشوارع واشارات السير والاحترام البيئي وغيرها.  الأوضاع المتعثرة تسبب الغضب وبالتالي الانتفاض على كل مسبب دون الحاجة الى البراهين.  عندما يغضب المواطن وقد رأيناه في دول في الغرب كالولايات المتحدة وفرنسا، يقوم بعمليات عنف لم يكن ليقوم بها في ظروف هادئة وطبيعية.

    ما هي الاصلاحات الأساسية المطلوبة كي يمكن وصف الانتفاضات بالناجحة؟  كما في كل الدول، الشعوب العربية تطلب تحديث الأنظمة التعليمية في كل المناهج والمراحل خاصة في مواد الابتدائي والمهني.  تطلب تحديث أنظمة الصحة كي تستطيع مواجهة الكورونا بأشكالها الجديدة والمتجددة التي تخيف حتى أهم الدول.  تطلب الشعوب العربية الحمايات الاجتماعية الانسانية العادية أي التعويضات والضمانات الصحية والاجتماعية والمنح التعليمية وغيرها.  تطلب الشعوب العربية اليوم أكثر من أي وقت مضى تسهيل دخول المرأة الى أسواق العمل مع المسواة مع الرجل، وما زلنا بعيدين عربيا عن هذا الهدف.

يطلب العرب أخيرا وليس آخرا تحديث أنظمة العدالة والقضاء كي يستطيع المواطن أخذ حقوقة بعدل وهدؤ دون اللجوء الى العنف.  بعد انفجار 4 آب نعلم في لبنان أكثر فأكثر أهمية وجود قضاء شفاف عادل فاعل وموثوق به بحيث يطمئن اللبناني أكثر ليس فقط الى حاضره وانما الى مستقبله.  من الضروري أن لا نضيع عربيا عقد جديد من الزمن عبر تراكم خسائر بشرية ومادية تؤذي ليس فقط الحاضر وانما خاصة المستقبل.

ما هي نتائج الانتفاضات حتى اليوم والتي تستمر في تونس ولبنان بسبب الانفجارات المختلفة والمتنوعة التي تقلق المواطن وتدفعه الى النزول الى الشارع والمطالبة بحقوقه في وجه سلطات ظالمة؟  في المنطقة عموما وبعد أكثر من 10 سنوات على الانتفاضة التونسية وما تبعها في دول أخرى، المواطنون غير آسفين على الانتفاض لكنهم مستاؤون من النتائج السلبية المقلقة.  تحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الى 300 مليون فرصة عمل جديدة حتى سنة 2050 والمنطقة ليست سائرة اليوم على الطريق الصحيح باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بالموارد والرؤية.

لا شك في دول المنطقة، الديون العامة ترتفع نسبة للناتج كما أن التنافسية تنخفض مما يشير الى تردي الأوضاع أكثر فأكثر.  الغضب الشعبي في الشارع سيزداد في غياب آليات ديموقراطية واضحة وفاعلة للاعتراض.  معظم الحكومات العربية مطمئنة الى أوضاعها ومنافعها بالرغم من النتائج السيئة وبالتالي غير خائفة وغير قلقة ولا ترى أي ضرورة للتغيير.  الوضع في لبنان واضح حيث السلطات السياسية أيضا غير قلقة بالنسبة لاستمراريتها وتتمسك بالحصانات وتتجاهل الغضب والكوارث أهمها انفجار 4 آب.

    أخيرا فوز التونسي ابن ال 18 عام "أحمد ايوب الحفناوي" في ذهب السباحة الأولومبية الحرة لل 400 متر يدل على وجود طاقات انسانية كبيرة في العالم العربي.  لو اتيح لها المجال لأعطت لنا وللعالم انجازات نوعية كبيرة.  الانجازات العربية الرياضية في طوكيو ستساهم في تغيير صورة العالم العربي في المجتمع الدولي وهذا ما نتوقعه.

 

 

 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار والاعلانات عامة لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين فيها حصراً. وموقع صحيفة بيروت تايمز غير مسؤول عن أي نص ومضمونه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment