مبالغات وأخطاء اقتصادية

06/07/2016 - 17:56 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

هنالك أفكار اقتصادية لا تزول بالرغم من أن الوقائع أثبتت فشلها. تكمن خطورتها في الاصرار على تطبيقها من قبل المجتمعات والحكومات وأصحاب القرار بالرغم من أنها خاطئة أو أقله مبالغ بها وبتأثيرها. أسواء ما فيها نتائجها التي أعطت أزمات اقتصادية ومالية ما زال العالم يعاني منها حتى اليوم. هنالك أصوات عالمية تدعو الى مراجعة ما وصلنا اليه، أي مراجعة المبادئ والدراسات والممارسات كي نتعلم من الأخطاء ونصحح أو نرمم ما أمكن. ليس كل ما حدث في الماضي سيئا، لكن هنالك كوارث مالية واجتماعية حصلت تفسر التخبط السياسي والشعبي بل القلق الحاصل اليوم في كل المجتمعات. ما الذي يفسر حصول اليمين المتطرف في العديد من الدول الغربية مثلا على أرقام مرتفعة جدا في الانتخابات غير النتائج الاقتصادية السيئة التي تحققت؟ طبعا هنالك وقائع أخرى مثل المهجرين والنازحين والارهاب، الا أن الاقتصاد يبقى الأهم بالنسبة للمواطن.

ماذا قال "روبرت لوكاس"

في خطاب له يوم تسلم "روبرت لوكاس"، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، رئاسة تجمع الاقتصاديين الأميركيين سنة 2003 قال "نحن متأكدون من أن العلم الاقتصادي تطور لمستوى يجنبنا السقوط مجددا". طبعا أزمة 2008 تشير الى عكس ذلك، والى أن العلم وممارسته لم يتقدما بعد الى الدرجة التي تمناها "لوكاس" أو اعتقد أنها حقيقة لا لبس فيها. في سنة 2008، قبل الأزمة بأيام، قال الاقتصادي المعروف "أوليفييه بلانشار" أن العلم الاقتصادي هو في حالة جيدة نتيجة البحوث والتطوير كما التجارب والممارسات. حكما أن المبالغات أو الأخطاء لا لبس فيها ويجب المراجعة والتصحيح.

يقول "جيف مادريك" في كتابه "سبعة أفكار سيئة" أن الاقتصاديين متمسكون بمبادئ أو أهداف أثبتت فشلها في التطبيق. لم تكن المبادئ أيضا صحيصة في بعض الأحيان. يقول "شارل هنري فيليبي" في كتابه "الخطايا السبعة لرأس المال" أن ممارسة الرأسمالية كانت خاطئة وأعطت نتائج كارثية من الصعوبة تصحيحها.

مبالغات وأخطاء الممارسة الاقتصادية

ارتكازا على الأفكار المتقاربة، يمكن أن نحدد مبالغات وأخطاء الممارسة الاقتصادية كما يلي:

أولا: "اليد الخفية" التي تكلم عنها "أدام سميث" مؤسس العلوم الاقتصادية في كتابه "ثروات الأمم" في سنة 1776 والتي تعني أن ممارسة الأهداف بشكل جيد وفاضل من قبل الجميع تؤدي الى تحقيق المصلحة العامة. تكلم "سميث" عن ممارسة الأعمال بأخلاق واحترام ولم يكن يدري أن درجة الجشع وصلت الى حدود لم يعرفها التاريخ. فتصرفات "مادوف" وستانفورد" وأصحاب حسابات باناما لم ترد حتما في تفكير وكتابات "سميث". الحكمة في نظريات سميث تكمن في أن النظام الاقتصادي الحر المبني على تحقيق المصلحة الفردية في كل المجالات يؤدي الى تحقيق البحبوحة للجميع، وهذا ما لم يحصل كما تشير اليه الأزمات وسوء توزع الدخل والثروة بين الدول وداخل كل دولة.

ثانيا: قانون "ساي" والتقشف الاقتصادي. يقول القانون أن العرض يخلق الطلب. فالمنتجون يقررون والمستهلكون ينفذون. طبعا لم يحصل ذلك، لكن الاقتناع بالقانون سبب وجود فائض كبير في السلع والخدمات التي لم يكن يريدها أحد، وبالتالي حدث ركود متكرر على جميع المستويات. للمستهلك أذواق ويأخذ قراراته تبعا لمصالحه ولا يمكن فرض أي أمر عليه. أتى "غالبريث" ليقول أنه يمكن للمنتج أن يخلق الحاجة أي يعطي سلعا لم يكن المستهلك يفكر بها. هنا تكمن أهمية البحوث بحيث يدرس المنتج ماذا يمكن ان يعجب المستهلك ويقوم بالتنفيذ.

الاقتناع بقانون "ساي" سبب أزمات عرض كان العالم بغنى عنها. أما التقشف الاقتصادي الناتج عن الأزمات المالية والاقتصادية المتنوعة، فأعطى نتائج عكس المتوقع لأن حاجات الانسان أصبحت متطورة ولا يمكن العودة الى الوراء وبالتالي كان من المفروض تجنب الوقوع في الأخطاء التي سببت التقشف. هنالك علاقة سلبية بين التقشف والنمو أشار اليها منذ عقود الاقتصادي "كينز" وتبعه فيها عشرات الاقتصاديين منهم "ستيغليتز". لا يمكن تحميل المواطن أخطاء الحكومات المتعاقبة، ولا بد من المحاسبة.

ثالثا: دور الحكومة الاجتماعي المتنازع عليه حتى اليوم ويظهر في كل المجتمعات آخرها في الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية الحالية. "برني ساندرز" يريد دورا كبيرا وعميقا للقطاع العام في الاقتصاد عبر تمويل الحاجات الأساسية للمواطن من تعليم وصحة وغيرها من الموازنة. مشروع المرشح "دونالد ترامب" معاكس تماما ويشير الى دور قليل للقطاع العام في الاقتصاد. في الحقيقة فشل الاقتصاديون حتى اليوم في تحديد الدور الأفضل للقطاع العام في الاقتصاد، فنشهد التباين القوي والعميق ليس فقط في النظريات وانما في التطبيق.

رابعا: أهم هدف اقتصادي هو التضخم المنخفض اذ أن أفكار مدرسة "ميلتون فريدمان" سيطرت على العلوم الاقتصادية لعقود. الاقتصاد الناجح هو الذي يعرف تضخما منخفضا ينتج عن سياسات مالية وخاصة نقدية محافظة. التضخم هو الهدف الأساس ويمكن تجاهل البطالة والنمو والتنمية التي في رأيهم تنتج عن التضخم المنخفض. يكمن الخطاء هنا ليس في النظريات المبسطة، بل أيضا في التطبيق اذ بالرغم من أهمية ضرب التضخم، لا يمكن أن يتفوق هذا الهدف على مؤشرات البطالة وغيرها.

خامسا: ليست هنالك تقلبات حادة في الأسواق المالية لأن الأسعار تعكس الحقيقة أو القيمة الواقعية للأصول والسلع والخدمات. كانت هذه نتيجة النظريات المالية المرتكزة على مبدأ أن الأسواق تكون دائما فاعلة وشفافة، وبالتالي ليست هنالك معلومات مخبأة. يتبين من الممارسات لعقود خلت، أن المعلومات الصحيحة ليست دائما متوافرة مجانا للمستثمر وبالتالي يقوم بالاستثمار متكلا على معلومات خاطئة تؤدي الى خيارات استثمارية خاطئة أيضا. سيطرت هذه النظريات على العلوم والمؤسسات والشركات والأسواق لعقود خلت، وتبين مع الوقت أنها خاطئة في العديد من الأحيان. هذا لا يعني أن هنالك اليوم نظريات أخرى بديلة وصحيحة، بل يجب التروي في دراسة الأفكار وعدم التسرع في التنفيذ الأعمى.

سادسا: للعولمة فوائد لا تحصى ومخاطرها محدودة. لا شك أن للعولمة فوائد كبيرة اذ قربت العالم وسهلت التبادل التجاري والمالي بين الدول، لكن المخاطر ارتفعت أيضا في غياب الضوابط الضرورية وتلاشي الحدود التي عرفها العالم لقرون مضت. شجعت العولمة على المخاطرة لتحقيق الأرباح، فتحققت الخسائر في العديد من الأحيان لأن الأدوات التي استعملت كانت معقدة بل يجهلها تماما من استعملها من مواطن ومتقاعد وانسان عادي راغب في تحسين أوضاعه المالية. استغل بعض عملاء السوق جهل المواطن العادي لدفعه نحو الخيارات التي تربح العميل دون أن تكون ذات فائدة بالضرورة على المستثمر. تضرر العمل بل العمال من العولمة حيث شعروا أن حقوقهم هدرت بل أن مستقبلهم هو في خطر. لا يمكن بناء مجتمعات على رأس المال فقط، بل يجب النظر الى مستقبل العمال والفقراء الذين يشكلون الأكثرية في كل الدول.

سابعا: الاقتصاد هو علم وبالتالي كالرياضيات لا يخطئ بل يعطي نتائج لا جدال فيها. تقدمت العلوم الاقتصادية الى حدود لم يكن يتوقعها حتى أهم الاقتصاديين، لكن لا يمكنها أن تصل الى مستوى الرياضيات والعلوم العادية لأنها مرتبطة بالانسان وخياراته وأوضاعه النفسية والعقلية. الاقتصاد يبقى علما انسانيا وبالتالي تبقى نتائجه مرتبطة بأوضاع الانسان في المكان والزمان وبأفكاره التي تتغير من وقت لآخر. بناء الدراسات على أن الاقتصاد هو علم كالرياضيات أعطى نتائج وتوصيات تبين للجميع أنها خاطئة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment