الحوار الثالث بين الأطراف المتنازعة أمام تصادم الخيارات

09/11/2015 - 08:20 AM

كتبت ميشلين أبي سلوم*

مع عودة الحوار في مجلس النواب، بنسخته الثالثة ، فإن أسئلة كثيرة بدأت تطرح نفسها عن مدى إمكانية أن يحقق هذا الحوار مبتغاه، في ظل الشكوك الكثيرة التي تحوم حوله حتى قبل أن يبدأ، باعتبار أن فريقي «8 و14 آذار» يدخلان الحوار بأجندات مختلفة، لا بل متباينة، في ما يتصل بالاستحقاق الرئاسي أو قانون الانتخابات المدرجين على جدول الأعمال، الأمر الذي سيعقد مهمة المتحاورين ويجعلهم أمام الطريق المسدود، في حال أصر كل فريق على موقفه المتعارض مع موقف الفريق الآخر.

والسؤال الذي يُطرح هنا، هل هناك أمل في إحداث خرق في جدار الأزمة من الحوار المرتجى؟ ماذا ستكون التداعيات في حال فشل المتحاورون في الوصول إلى نتائج إيجابية؟

ليس مستغرباً أن تلتزم قوى الرابع عشر من آذار بإعطاء الأولوية لانتخاب رئيس جمهورية ما دامت التطورات التي شهدها ويشهدها لبنان في ظل استمرار الشغور الرئاسي قد أثبتت أنه لا إستقرار للأوضاع الداخلية المأزومة إلا بحل هذه المشكلة والإتفاق على ملء مقعد رئاسة الجمهورية كونه يُشكّل المدخل العريض لحل كل المشكلات القائمة ومن دون ذلك سوف تستمر هذه المشاكل وتتفاقم على مستوى الشارع يوماً بعد آخر وما الدعوة إلى التظاهر ومحاصرة الذين سيجتمعون يوم الأربعاء في ساحة النجمة إلا خير دليل على تصميم المجتمع المدني على مواجهة هذه الطبقة التي أعلنت إفلاسها وعجزها عن استنباط الحلول اللازمة للأزمة التي يعيشها الشعب والتي عبّر عنها في رفضه لهذه الطاولة التي سبق أن اجتمعت عدّة مرات وتوصلت إلى قرارات بقيت حبراً على ورق بعدما تنكّر لها فريق حزب الله بكل أجنحته ومنها التيار الوطني الحر بقيادة العماد عون الذي يدّعي أنه المدافع الأول عن حقوق المسيحيين وعن المشاركة الحقيقية في السلطة.

وبدلاً من أن يصغي الرئيس برّي لشروط الرابع عشر من آذار بإعطاء الأولوية لانتخاب رئيس كونه يُشكّل مدخلاً لحل معظم الأزمات التي يتخبّط بها البلد بدءاً باستعادة إنتظام المؤسسات الدستورية من خلال تشكيل حكومة جديدة وإجراء إنتخابات نيابية تجدد شباب الطبقة السياسية من جهة وتهدئ الشعب اللبناني باستعادة دوره في اختيار ممثليه الفعليين، إعتبر انتخاب الرئيس أحد بنود جدول الطاولة، وليس البند الأساسي، بمعنى أنه إذا لم يتم الاتفاق عليه ينتقل المشاركون إلى درس البنود الأخرى المدرجة مثل قانون الإنتخابات، وتفعيل عمل مجلس النواب والحكومة ما من شأنه الدخول في جدل بيزنطي لا يؤدي إلا إلى مزيد من تعميق الهوّة ومزيد من الخلافات حول جنس الملائكة في الوقت الذي تتسع فيه دائرة الحراك الشعبي التي لا تثق في الأساس بهذه الطبقة وبالأحرى سحبت ثقتها منها ووجدت في الشارع السبيل الوحيد للتخلّص منها.

انتخاب الرئيس

من جهته, حرص مصدر رفيع في كتلة «المستقبل» على التذكير بهذه الأولوية الوطنية المطلقة معتبرا ان «أولوية التيار في الحوار انتخاب رئيس للجمهورية ونقطة على السطر».

وإذ شدد على كون «فترة الشغور أثبتت أنّ رئيس الجمهورية هو مفتاح كل شيء في الدولة وأنّ شغور موقعه عطّل كل شيء في الدولة»، أردف المصدر الرفيع في «المستقبل» مؤكداً أنّ «قوة الرئيس الناعمة أهم من أي أمر آخر في سبيل انتظام النظام، بدليل أنّ البلاد دخلت في مسار انحداري منذ الشغور الرئاسي»، وأضاف: «يجب أن يدرك الجميع ألا أولوية تسبق انتخاب الرئيس بما في ذلك عملية «التطريز» بما يلائم أشخاصاً معيّنين».

أما عن سائر بنود الحوار، فغنيّ عن البيان التأكيد على أنّ تلك التي تنص على استعادة عمل مجلسي النواب والوزراء وتعزيز الجيش والقوى الأمنية إنما هي تقع في صلب أولويات وجهود تيار «المستقبل» سواءً داخل الحوار أو خارجه، بينما كشف المصدر في ما يتعلق ببند ماهية قانون الانتخابات النيابية أنّ «التيار قطع شوطاً كبيراً في الموافقة على النسبية واتفق في هذا المجال مع حزبي «القوات اللبنانية» و«التقدمي الاشتراكي» على 68 مقعداً (أكثري) مقابل 60 (نسبي) وهي نسبة أعلى من تلك التي لحظتها لجنة فؤاد بطرس وكانت تنص على 40% نسبي فقط» من مجمل مقاعد مجلس النواب.

وفي ما خصّ قانون استعادة الجنسية، أكد المصدر أنّ «تيار المستقبل لا يمانع مطلقاً إقرار القانون بعد أن يُصار إلى درس جوانب معينة فيه بعناية، لأن ثمة مخاوف من أن يزيد هذا القانون الهوّة الديموغرافية في البلد على حساب المسيحيين»، مشدداً من هذا المنطلق على ضرورة درس الأمور بمنتهى الدقة «وإلا بدل ما نكحّلها منكون عميناها».

وعن قانون اللامركزية الإدارية، أجاب المصدر: «اللامركزية نصّ عليها الدستور وتيار «المستقبل» يؤيدها بكل تأكيد»، لافتاً الانتباه في هذا المجال إلى كون «التيار كان وراء فكرة إعادة ملف النفايات إلى البلديات انطلاقاً من إيمانه باللامركزية الإدارية».

تأجيل الحوار

بينما اعتبرت أوساط مصادر سياسية محايدة، أن مقاطعة رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع للحوار الوطني، لم تقفل الباب أمام مشاركة فريق 14 آذار، الذي يتفهّم بالكامل الموقف القواتي الذي اشترط حصر الحوار بعنوان وحيد هو الإستحقاق الرئاسي، معتبرة أن «الشرط الرئاسي» قد أدرج من بين العناوين العديدة الملحّة، ولكنه ليس معبراً إلزامياً إليها، إذ أن الفشل في الإتفاق لن يجمّد الحوار، بل سيدفع نحو تأجيله، والإنتقال إلى ملفات أخرى كقانون الإنتخابات النيابية على سبيل المثال. وقالت المصادر، أن تحديد النقاش وحصره بالإنتخابات الرئاسية، يفتح هامشاً أمام المتحاورين، وخصوصاً أمام الرئيس نبيه بري، لوضع الجميع أمام هذا الإستحقاق الدستوري، كما أنه يؤدي نحو تحييد أكثر من عنوان خلافي سبق وأن أدّى إلى عرقلة الحوار الوطني الذي انطلق في السابق.

وبالتالي، اعتبرت المصادر المطّلعة نفسها، على موقف فريق 14 آذار من الحوار، بأن غالبية مكوّنات هذا الفريق تميل إلى إعطاء فرصة للمبادرة الحوارية، مشيرة إلى أن التطوّرات المتسارعة في الشارع تفرض على كل القوى السياسية حالاً من الإستنفار لمواكبتها، وذلك انطلاقاً من البحث عن كل المخارج الممكنة للخروج من الأزمة السياسية الحادة ومن حال الشلل الذي يضرب المؤسّسات نتيجة الخلافات السياسية والإصطفافات، والتي منعت الكتل النيابية من المشاركة بعملية انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

وفي هذا السياق، سألت المصادر نفسها، عن الموقف الفعلي لقوى الثامن من آذار، التي رحّبت بمبادرة الرئيس بري، معتبرة أن مجرّد إعلان النوايا الإيجابي من العناوين المطروحة لا يكفي، خاصة وأن هذه الإيجابية تزامنت مع طروحات محدّدة بشأن الاستحقاق الرئاسي، وكأن هذا الفريق قد حسم مسبقاً موقفه من هذا الملف، وذلك قبل طرحه على النقاش في سياق الحوار الوطني. واعتبرت أن وضع الشروط المسبقة، خصوصاً بالنسبة للإستحقاق الرئاسي، لم يقتصر فقط على «القوات»، بل أيضاً على «حزب الله»و«التيار الوطني الحر» وقوى سياسية أخرى في 8 آذار، والتي أعلنت في الأيام الماضية أن موقع رئاسة الجمهورية «معقود» للعماد ميشال عون.

وأضافت المصادر ذاتها، أن بعض العناوين المدرجة في الحوار لا تحمل طابع الملحّ والضروري، خصوصاً في المرحلة الراهنة، حيث الأزمة الحكومية ما زالت مستعصية على الحلّ، ومجلس الوزراء عاجز عن الاجتماع بسبب الشروط المسبقة، باستثناء إجراء الإنتخابات الرئاسية التي تسمح بتحريك المؤسّسات وبإعادة تشكيل حكومة جديدة تتولى إدارة شؤون الناس وتوفير الحلول للأزمات التي تتفاقم يومياً، ودفعت بالمواطنين إلى النزول بقوة إلى الشارع معلنين صرخة واحدة محتجّة ومعترضة على الأداء السياسي، وعلى طريقة إدارة البلاد في ظل ظروف معيشية صعبة وركود اقتصادي خطر. وشدّدت المصادر السياسية، على أن الحوار يمثّل فرصة يجب على فريقي 8 و 14 آذار توظيفها بشكل إيجابي من خلال وضع كل خلافاتهما جانباً، والتركيز على المشهد الشعبي في الشارع الذي ينذر بتخطّي كل الحواجز والمتاريس السياسية، ويعلن من خلال تظاهرة في ساحة النجمة رفضه أي حوار لا يوفّر الحلول العملية لمشاكلهم.

ويَتوقّع المتشائمون أن يشهد لبنان صولاتٍ وجولات مِن «الحراك الشعبي»، لأنّ دفعَ لبنان إلى الفوضى قد يكون احتمالاً قائماً لدى البعض في ظلّ تعَذُّرِ التوصّل إلى حلول قريبة للأزمات الإقليمية. ولا يَستبعد هؤلاء أن تأخذ القوى الأمنية والعسكرية خطوات جديدة في حماية المتظاهرين.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment