لا للإستقواء ولإستعداء والإستجداء نعم شرّفوا للإنتماء مجدّداً إلى لبنان

02/27/2021 - 21:11 PM

Arab American Target

 

 

بروفسور نسيم الخوري*

 

شهد اللبنانيون في العقود الماضية العديد من جولات الحوار في ما بين زعمائهم وممثلي طوائفهم ورؤساء أحزابهم الذين خرجوا من حروبهم للعداء في العلن والإعلام والتفاهم سرّاً على المغانم وتقاسم قعرأكياس الوطن الفارغة، ثمّ يعودون للحوارات تحوّطاً من تجدّد الدماء والخرائب ولتثبيت مناصبهم. لا تنضج حلقات الحوار إلاّ بتمنيّات أو بقرارات عربيّة ودوليّة بهدف درء الفتن وضبط "القتال" في الشاشات. لربّما تمّ دفن تاريخاً من الحروب المتقطّعة واللجان الأمنية المحصورة مهماتها بإشعال النار وإطفائها المحكوم بالهشاشة وتقاسم المحاصيل ليُخرق بمعارك متجددة. يحتلّ هذا التوصيف المطلّ برأسه عبر الأحاديث همساً وجهاراً وتهديداً، وتُفلش سجّادته الحمراء عبر الإنهيارات الشاملة الإقتصادية والمالية والنقدية وغلاء الأسعار وفقدان الحاجات ورفع الدعم المجوّف وفقدان الودائع وتفجير بيروت المستورد عبر المرفأ السائب وترجيف القضاة وحصاد الكورونا المتفاقم، وكأنّ لبنان عقار مملوك من خمسة أو ستّة ولا رعايا فيه. لنتصوّر أنّ بعض النوّاب مثلاً قفزوا فوق الناس وبرامج التلقيح عبر المنصّة وأمروا بتلقيخهم في كواليس مجلس النوّاب، بما جنّن اللجنة الوطنيّة اللبنانية والبنك الدولي الذي هدّد بوقف تمويل اللقاحات إن لم يدرك المسؤولون بعد معاني العدالة والمساواة.

قصّدت هذه الإستهلاليّة المشتعلة بالخوف لربّما أبرّدها أو أطفئها في مياه "الخليج"، مختصراً المشهد بأبياتٍ شعرية لمسؤول لبناني قالها لي بصفتها عنوان الغد، مع أنّني لا أحبّذ الشعر في المقالات:

      أرى خلل الرماد وميض نار        ويوشك أن يكون لها ضرام‏

      وإن لم يطفها عقلاء قوم         يكون وقودها جثث وهام‏

      فإن النار بالعودين تذكى          وإن الحرب أولها كلام‏    

يسبق الكلام النيران في لبنان، لذلك تمّ شحذ المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في محاولةٍ ضبطاً الألسن والحبر والنتيجة صفر. ما سمعته من هذا المسؤول حول لبنان الغد، سحبني إلى ثورة ليبيا ب"عيدها" العاشر، وبالتحديد ذلك الخطاب الناري للقذافي بعد أربعين من حكمه، وقد أذهله المتظاهرون ووصفهم ب"الجرذان" ومهدّداً الناس بالتحرير"زنقة زنقة وبيت بيت". وعلى الرغم من التباين الشاسع بين النظامين إلاّ أنّ ما سمعته من ردود فعل السياسي أمامي مسح الفروقات وتعرّى لبنان أمامي من قشوره الديمقراطية ليظهر لحم الوطن والطوائفيات والمذهبيّات وتفكّك الألحمة والجزم بالدماء. النفق مظلم بالمثالثة وضرورة تعداد اللبنانيين مذهبيّاً إلى الفدراليات والتقسيمات والمؤتمرات الدوليّة وعناوين فرعيّة مرتجلة تشحذ الشرور.

تلطيفاً لما سمعنا من كلام متفجّر، نسترجع مشادّات البرلمان وقصر بعبدا في ال2008 بما أفضى لذهاب لبنان الرسمي محشوراً في طائرة رسميّة إلى قطر في الخليج، ولربّما نطلب الحوار المطمئن في درجاته الدنيا، لنتابع صدمة فرنسا تربت أميركا على كتفها للمضي في مبادرة الإنقاذ بتشكيل الحكومة، لكنّ الألغام والتدخّلات الكثيرة جمّدت لبنان بين الداخل والخارج فصار مظلّة متعدّدة الثقوب فوق رؤوس اللبنانيين تنزاح فيها الأغطية عن تاريخٍ من الأسرار والمحاصصات والنهب والإتّهامات الآتية بالخيانات العظمى وبسط الخرائط للحدود البحريّة واتفاقات بيع النفط والغاز عبر الوثائق والمراسيم المتناقضة والتسريبات والانفعالات والصيغ التي تفقد اللبنانيون صوابهم.

النصائح الاقليمية والدولية المكثفة تدفع الآن بالطبع على الحوار الإيجابي ولو من دون نتائج حاسمة أو باتفاق على تلك الحكومة المستقيلة "المقعدة" كما وصفها، وإطلاق حكومة المهمّة. أيّة مهمة بعد والعنوان السرّي واحد هو تقطيع الوقت والتهيؤ لإعادة تكوين السلطة عبر إنتظارات الخارج الطويلة المتعدّد الجنسيّات.

إنه حوار الحقائق الخمس الممطوطة، بين اعتبار إنفجار بيروت في 6 آب 2020 صفعة سخيفة وحسب يجب وقف تداعياته حتّى لا يغرق "الأفنديّة" بالوحل أكثر، وثانيها مراكمة الملاط المفقود بين بعبدا وبيت الوسط بعدما هبّت الأصوات لتعديلات الدستور الذي لم يقرأ في الجمهورية المفكّكة المحكومة بالخارج، وثالثها إعادة ترتيب السلطات مجتمعة في الحكومة عبر التنازلات والضغوط المرفوض من الناس لهبوط مطمئن مشروطٍ بحبّة أسبيرين تليين مفاصل الدولة وتحرّك عجلاتها ونسيان الإنتخابات البرلمانية المبكرة التي لن تغيّر شعرةً، ورابعها محاولة امتصاص دماء اللبنانيين الفائرة بوعود استعادة جزءاً من الأموال المهرّبة وتوسيع هامش المصارف لزيادة رساميلها،وخامسها التبشير الفارغ بمناخات الحوار كضرورة تلطّف يأس اللبنانيين وهجرتهم وتهديدهم بالخارج والتوطين واللاجئين والنازحين ومعابر التهريب التي تمصّ نخاع عظامهم، بما سيعمّق الفجوات بين المذاهب بصفتها مواطن تنافر وشروخات كبرى لم تندمل، ولها أبعاد وترددات اقليمية ودولية متحركة، وهي على ارتباط بمستقبل المنطقة والصراعات الكبرى الدائرة فيها.

إن "المرجعيّات" مهما علا شأنها عبر الإستقواء والإستعداء والإستجداء في النواحي الغربية أوالشرقية ستفشل في القفز فوق هذا الواقع الشديد المرارة بالتهديد باستعادة الحروب.‏‏ وإذا كان الحوار بين اللبنانيين هو في صلب تاريخ وإعادة تكوين لبنان وطناً ثابتاً في خياراته، فإنّ العقل والجكمة تفرض قانون الإنتماء لضبط أنفعالاتهم وتراشقهم كي لا يجدوا بقايا وطنهم أخفّ من الريشة عند هبوب العواصف. وللتذكير لا تلعب العواصف إلاّ في الساحات المشرّعة.

*كاتب وأستاذ العلوم السياسية والإعلاميّة

*مشرف في المعهد العالي للدكتوراه

[email protected]

[email protected]

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment