مكب "الكوستا" يهدد الشواطىء المحيطة... صيف بلا بحر!

05/06/2016 - 01:10 AM

 

 

ضربة موجعة لعشاق السباحة هذا الموسم، إذ سيشاركهم في البحر الذي انتظروا أشهراً للارتماء في أحضانه، شريك غير مرغوب فيه، نفايات وروائح كريهة، بكتيريا وفيروسات، سبقتهم وتمركزت في أعماقه لتدفع عدم الراغبين في مشاركتهم "عشيقهم" إلى الانسحاب والبحث عن بديل.

المشهد من الأوزاعي الى الكوستابرا فخلدة والجية يدفع الى الاشمئزاز.
طبيعة لبنان التي طالما تغنينا بها لاسيما قرب جبالنا من شواطئنا تحوّلت بفعل حاقد الى جبال من النفايات متلاصقة لا بل متداخلة مع الشاطئ. وكأن إمدادات الصرف الصحي ومخلِّفات المعامل لا تكفي حتى جاء مكب الكوستابرافا ليزيد المياه تلوثاً وليخنق أجواء محيطه بروائح تثير الغثيان.
السباحة أمام الكوستابرافا انتحار، انزلاقات بسيطة لجبل الرعب اسفرت عن بركة "موت" توزع سموماً على المياه، سكون يخيم على المكان، لا حركة سوى لبضع جرافاتتعمل على "ترتيب" النفايات وعدد بسيط من العمال. في الاوزاعي المشهد لا يختلف، فالأوسام تملأ الشاطئ، وكذلك الأمر على طول الطريق المؤدية الى خلدة.
المسابح في خلدة خالية من روادها، الامر الذي علله موظف في أحدها إلى الطقس الغائم، من دون انكار أن نسبة قاصدي المسبح هذا العام اقل بنحو 50 في المئة عن الموسم الماضي في الوقت عينه. أما عن الراوئح التي تفوح في الأجواء وعما اذا كان الزبائن يشتكون منها، فقال: "نعم هناك من يقصد المسبح ساعات لا يمكنه أن يمضي طيلة النهار لا سيما عندما تزيد نسبة الروائح، اذ كلما مرّت شاحنة تنقل النفايات الى المكب المستحدث تعبق الأجواء، لا بل الأمر لا يعود يحتمل في المساء".
هي ضربة موجعة الى الاقتصاد والى اصحاب المسابح والمطاعم على طول امتداد الشاطئ، ويتحدث احد أصحاب المقاهي في خلدة بغضب إلى "النهار" عن أزمة النفايات التي كلفتهم تراجعاً كبيراً في نسبة مداخليهم"لا زبائن خصوصاً في المساء، منهم من يجلس دقائق ليغادر مسرعاً بعدما يعجز عن تحمل المزيد من الروائح، زبائن كثر يطلبون النرجيلة وقبل ان نقدمها لهم يغادرون، فإلى متى سيستمر هذا الاستهتار بأرزاق الناس".

مشهد مرعب
واجهت النفايات في عمق بحر الجية فأصابها طفح جلدي استدعى علاجها ليومين، هي الدكتورة في القانون الدولي العام والناشطة البيئية وفي مجال حقوق الانسان حليمة قعقور التي غطست للترفيه عن نفسها فاصطدمت بواقع مرير، نفايات صلبة منزلية بكميات كبيرة، الأمر الذي دفعها في اليوم التالي الى معاودة الغطس للتصوير. وقالت: "الصورة كانت مرعبة، غطست ففوجئت بالمشهد، في اعماق البحر كميات هائلة من النفايات".

درجات من التلوث
نقيب الغواصين المحترفين والخبير المحلف في الشؤون البحرية للمحاكم اللبنانية محمد السارجي أكد لـ"النهار" أن "الفحوص المخبرية اثبتت وجود شواطئ ملوثة في لبنان، وشواطئ كانت في السابق ملوثة، خفت نسبة تلوثها، مثلاً شاطئ صيدا كان ملوثاً أثناء وجود جبل النفايات، وامدادات الصرف الصرفي في البحر، لكن بعد إقفال المكب وحل مسألة الصرفي الصحي بات شاطئه نظيفاً لكن كما رأينا الاسبوع الماضي هجمة نفايات عليه، ليس مصدرها صيدا، لكن نفايات تمر بحسب التيارات والأمواج".
وأضاف "هذا الصيف سنواجه مشاكل نتيجة مكب الكوستابرافا ورمي بلدات لنفاياتها على ضفاف الانهار والمعامل التي تدير صرفها الصحي على البحر، لا بل 70 في المئة من الصرف الصحي في لبنان يصب في البحر.اذ لا يوجد احترام للشاطئ لكي يتمكن من استقبالالناس وتاليا قد نصطدم بالنفايات الصلبة اثناء السباحة، كما حصل مع الدكتورة قعقعور التي ظهر على جسدها طفح جلدي بسبب النفايات السائلة من معمل الكهرباء، كما تعرض اثنان من الغواصين للأمر نفسه".

 

كارثة متنقلة
"النفايات باتت متنقلة لكن ثمة مصادر فاسدة"، لذلك نصح السارجي عشاق السباحة ألا يتواجدوا أمام مصبنهر على الشاطئ أو مكب نفايات، لانهما مصدران للنفايات السائلة والصلبة. ولفت إلى أن "ثمة مناطق نظيفة كشاطئ جبيل وجزر النخيل، وشواطئ صيدا والرميلة وقسم من شواطئ صور والدامور، الجية فيه اشكال، خليج بيروت غير نظيف وشاطئ الرملة البيضاء هو الاكثر تلوثاً في لبنان وذلك بحسب ما أثبتته الفحوص المخبرية".
وعن مدى اختلاط مياه البحر بعضها ببعض، وتالياًانتشار التلوث على طول الشاطئ اللبناني، رأىالسارجي أن "بحرنا صغير ونشيط، الأمواج والتيارات البحرية تحصر النفايات في المناطق القريبة للشاطئ، وهذه مشكلة أيضاً لأن غالبية الناس يسبحون على الشاطئ ونادراً ما تؤدي حالة الطقس الى تحرك النفايات، كالشلوق حيث تتحرك باتجاه الغرب او الغرب الشمالي".

لبرك المياه نصيب
وعما اذا كان بالامكان السباحة في برك المياه أم هي الأخرى ملوثة على رغم اضافة المعقم لها، ردّ السارجي " بحسب مصدر المياه المعبأة، كثير من المسابح تعبّأ منمياه البحر وهذه لا يجب السباحة فيها، فالمعقم يقضي على بعض البكتيريا والجراثيم وليس جميعها". وأكد أن"السمك غير ملوث ولا يمكن تلوثه، وهذا ما تثبته الفحوصالمخبرية التي نجريها كنقابة والتي يقوم بها مركز علوم البحار والجامعات، وذلك لأن 70 في المئة من سبب تلوث مياهنا عضوي أي مجارير ومحصور في المناطق الشاطئية، في حين أن الصيادين يبحرون نحو 10 كلملصيد السمك، أما السمكة الوحيدة التي تتلوث فتلك التي تكون في الموانئ وهي نوع واحد البوري".

 

من يجرؤ على المواجهة
لكن هل ثمة من يجرؤ على مواجهة النفايات والبكتيريا والفيروسات التي تحدث عنها الخبراء والسباحة على شواطئ لبنان؟ نبيل هو احد الاشخاص الذين لا يمكنهم ان يمرر فصل الصيف من دون ارتياد البحر لذلك يقصد الشواطئ الأكثر أمناً التي يتحدث عنها الخبراء، أما شاطئ بيروت وخلدة فمن المستحيل أن يخاطر بحياته ويعرض نفسه لامكان التقاط مرض جلدي أو سرطاني، ومع هذا يفكر في السفر الى الخارج لتمضية بضعة اسابيع آمنة بعيداً من الترفيه الممزوج بالخوف. ولفت إلى أن "ما أوصلنا اليه السياسيون أمر معيب، فقبل أزمة النفايات لم يكن بحر لبنان نظيفاً فكم بالحري الآن".
نظرة رلى ليست بعيدة من نبيل، فهي كما قالت "في كل عام أنتظر فصل الصيف لأمارس هواية السباحة، فأنا سباحة ماهرة تلقنت دروسها في الصغر حتى باتت عادة وأسلوب حياة، غير ان هذا العام يختلف عما سبقه من اعوام، فأنا أخشى الاقتراب من البحر بسبب التلوث الذي ضاعفت مستوياته ازمة النفايات، هذا عدا عن الروائح الكريهة التي تنبعث على طول خط الساحل الممتد من الكوستابرافا حتى الناعمة والدامور. صحيح أن المسابح قد تشكل حلاً للبعض غير أنها تحد من حريتي في السباحة في البحر المفتوح وافقه الازرق. فعلاً إنه لأمر محزن، آمل بعد اقفال مطمر الناعمة ان يكون المسؤولون قد وضعوا خطة شاملة لاصلاح الوضع برمته، لجهة النفايات من جهة، وأضرارها على كل جوانب الحياة من جهة أخرى، ولا أخفيك القول أني غير متفائلة أبداً، وأتوقع مزيداً من التأزم".

تدخل سريع
لبنان وقع على اتفاقية برشلونة التي تنص على عدم تلويث البحر من مصادر عن الشاطئ، من دون الالتزام برمي النفايات على انواعها في البحر. اما الحل الوحيد بنظر السارجي فيكمن في "إدارة سليمة للقطاع"، إذ قال:" فلتتحمل الوزارات مسؤوليتها وعلى المواطن وضعهم أمام مسؤولياتهم". وبحسب قعقور سيبدأ مشروع نموذجي لبحر الجية بالتعاون مع بلدية المنطقة والدفاع المدني، آملة أن يمتد التعاون الى المجتمع المدني والاهلي لينظف كل الشاطئ اللبناني، "فتلوث البحر اصعب من أزمة النفايات التي يمكن ازالتها بشاحنة، الآن ندرس عدد الغطاسين الذي نحتاج إليه اذ يمكن الغطاس الواحد الغطس فقط مدة ساعتين طوال النهار، لرفع النفايات يدوياً ووضعها في أكياس، لكننا نواجه بعض الضغوط إذ نتهم بأننا نضرب موسم السياحة لذلك اقول لا نريد ضغوطاً بل تعاوناً للخروج من هذه الأزمة".

 

 

النهار

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment