الثوب البالي - قصة قصيرة

01/18/2021 - 20:25 PM

Translation

 

 

 

كان الميدان يعج بالناس ذهابا وإيابا، ِوفي الوسط توجد قهوة بلدي،وكانت من أكثر المناطق ازدحاما بالبشر، وبالقرب منها مكتب البريد والصحة، والمدرسة.

صاحب المقهى يقال عنه أنه طيب القلب خدوم، فهورجل فاضل طويل القامة ذوبطن عريض، أسمر الوجه، حاد العينين يرتدي جلبابا بلديا فاخرا. عينه على الجميع، الداخل والخارج، فهويعرف كل سكان الحي. كل يوم يمر كئيبا في فصل الصيف الحار ذي النهار الطويل الممُل تتشابه، الأيام بشكل روتيني، هكذا حال الحي طوال أيام السنة مثل البحيرة الراكدة. هذه القهوة المشهورة تظل مفتوحة طوال اليوم ليل نهار .

والبارز في هذا المقهى، على جانبه الأيسر يوجد كلب رمادى اللون لا يتحرك كثير إلا للأكل فقط، وعلى الجانب الأخر يوجد رجل عجوز ضخم الجثة أسود اللون، وجهه عريض تظهر عليه التجاعيد بقوة، وأنف معقوف وشفاه غليظة، يرتدى ثوبا من الصوف البالى، هوالآخر لا يتحرك إلا في أندر الحالات، ولا يُعرف له نسب، وكل ما يُعرف عنه بعض القصص منها الخرافي، ومنها ما هومنطقي، ولكن القصة الأقرب للصواب أنه ابن لأحد عسكر الهجانة وقد تزوج واحدة من الغجر، توفيت أمه ورحل أبوه مع فرقته العسكرية وهولا يزال صغيراً، احتضنته الأرض وتلقفته الأيام حتى صار كالوحش، كان له بيت عبارة عن عشة صغيرة ضمت أخيرا إلى المقهى، وربما كان هذا هوسبب اهتمام صاحب المقهى بهذا المخلوق .

وعلى الرغم من أن هذا الرجل وجد في الحي قبل المقهى وكذلك صاحب المقهى. عاش الرجل في هذا الحي حتى صار جزءا منها، ولم تكن له حرفة ولا مهنة ولكن كلما قدم إليه أحد طعاما كان يتقاسمه مع الكلب، وهكذا كانا يعيشان معاً. ورغم أنه عجوز إلا أنه كان يتلقى أكثر الإهانات والشتائم، ربما كان ذلك بسبب تدخله في الأحاديث التى كانت تدور بين الأهالي، وبينما كانت تعبر سيارة طبيب الحي وهوالأكثر عطفا على هذا المخلوق، رغم أنه كان يمقته بشدة لأنه كان دائم الالتصاق به، فكان يفضل أن يكون الممرض هوالوسيط بينهما، وتركها يقتسم العطية سويا. وكل مرة كانت تمر سيارة الطبيب كان يكرر هذا الأمر، فكان الطبيب يضيق منه ذرعا. والجانب الآخر للمقهى مول كبير كانت تمتلكه سيدة وقورة محترمة فائقة الجمال تخطت الأربعين. كانت عطوفة جدا وبالأخص على هذا المخلوق البائس، تعطيه كل يوم وجبة في الصباح والمساء .

وكان العجوز هو الآخر عطوفا على الكلب فكان يقتسم الوجبة مع رفيق العمر الذي كان على الجانب الآخر. وكان المارة أيضا يعطون له وللكلب الآخر جزءا من الخبز الساخن والأرز، وكان العجوز ينام في حجرة خلفية تستخدم لتخزين المقهى، وربما كانت عشته قديماً.

ذات يوم جاءت سيارة كبيرة بيضاء، نزل منها شخص يبدو ذا شأن، اقترب منه العجوز كعادته، فنظر إليه الرجل كارها منظره البشع، ولكن أعطاه ورقة نقدية كبيرة، وأسرع العجوز إلى مطعم اللحوم الذي يقدم وجبات شهية من جميع أنواع اللحوم. ضحك صاحب المطعم أعطى العجوز وجبة شهية ولكن بنصف قيمة ما أعطى لصاحب المطعم، أخذ يأكل كأنه كلب مسعور ورغم شراهته في الأكل إلا أنه خلف جزءا من الطبق لرفيق العمر.

وكثيرا ما تكررت زيارة السيارة والكثير غيرها، ولا يعرف السبب، ومرة تلوأخرى، تعلم الترحاب به، وكان يمسح السيارة بكم جلبابه وغيرها من السيارات فكان يلقون له العملات فيذهب ليأكل ويشرب فقط هووصديقه. رغم حياة هذا العجوز البائس إلا أنه قد استمتع بكل مباهج الحياة أكل وشرب، ولم يُحرم من شيء قط، إلا من شيء واحد وهي سترته البالية ومسكنة القذر .

هو قوي جدا، قادر أن يحطم قيود وجبال إلا أنه كان خانعا مقيداً بسلاسل الوهمِ والصمتِ، وربما كانا السببين الوحيدين اللذين كانا سر اهتمام البعض به. وعلى الرغم من هذه القوة إلا أنه كان مستسلما مكتوف الأيدي، عندما كان يضربه أحدهم سواء كان كبيرا أم صغيرا، قريبا كان أم غريبا .

وذات مرة اصطدم به صبي المقهى دون قصد وانقلبت صينية الشاي، وانهال عليه بوابل من السباب والإهانات والضرب في كل أنحاء جسده، ولم يفعل شيئا سوى وضع يديه على رأسه وصدره، متفاديا الضرب واللكم. جذع البعض لأجله ، لكن لم يتقدم منهم أحد لنجدته، لكن جاءت سيدة المول مسرعة لتمنع هذا القهر الذى أصاب الجميع بهذا المشهد المؤلم. ودفعت الصبى بقوة وأقامت العجوز وقد خضبت وجهه الدماء،صرخ الصبي في السيدة، وسبها بأعنف الألفاظ، دون النظر إلى الفارق الكبير الاجتماعى، أوفارق السن والأغرب من كل هذا أنه خاض في شرفها دون حياء بالمرة .

أسرع صاحب المقهى يعتذر للسيدة متأسفا على ما بدر من ذلك الصعلوك الجاهل. وضربه بقلم سمع دويه في جميع أركان المكان، وعنفه بشدة. وتعجب الصبي بشدة من حالة الرياء التى ظهرت عليه صاحب المقهى، فهوينعتها بكذا وكذا ويريدها أن ترحل خارج الحي. والآن يغضب وينفعل لأجلها ؟! ، فما السر من هذا التناقض ؟

وهل هذه السيدة محترمة ظاهريا أمام الناس، وتخفي ما كان أعظم، وهوما يعرفه هذا الرجل الوقور ويخاف من أن يفتضح أمرها ؟ أم أنه يخاف منها ؟ ويكون هوالآخر عنده من القبح الذي تعرفه هى وتجعله يخشاها هكذا؟

وجاءت السيارة كالمعتاد وهرع إليه العجوز، وحاول الاقتراب منها وخرج صاحب السيارة وألقى العملة إليه ورحل. وانتظر العجوز بجوار السيارة حتى أنهى الشاب مهمته بالداخل وخرج إلى سيارته.

حاول العجوز أن يقنع الرجل بالرحيل معه لم يلتف إليه ورحل سريعا وتابع العجوز السير خلفه، وأشار إليه مرة أخرى لعله يقف له ولكنه لم يره، أوتجاهل العجور تماما. تسرع السيارة وهويسرع خلفها في الشوارع الواسعة وشاهد العجوز الكيانات المختلفة، والبنايات الضخمة، والأشباح تطير في كل مكان حاول جاهدا اللحاق بها، لكنه فشل، اختفت السيارة في الزحام، سار هائما لا يعرف الطريق، ولا حتى طريق العودة. اختلفت الوجوه والبشر، والمضامين بقيت كما هي. شعر بالجوع والعطش كثيرا اهتدى إلى سبيل ماء شرب حتى ثمل. نبش في صناديق القمامة، وجد خبزا ولحما وعسلا.

أكل حتى نام في صندوق القمامة وجاءت سيارة القمامة وحمله الونش وألقى به في سيارة القمامة ورحلت السيارة إلى خارج المدينة العظيمة وألقت بالعجوز مع القمامة على تلال القمامة أسفل سفح الجبل.

ساعات حتى استيقظ العجوز وجد نفسه بين روائح اعتاد عليها. ولكن ليس نفس المكان، وجد تلالا عملاقة من القمامة أخذ يسبح وسطها حتى وصل إلى الأرض الصلبة شاهد الصحراء الشاسعة، نظر يمينا ويسارا ولم يجد أحدا. أصابه الدوار كان الليل قد نشر جناح الظلمة على كل أرجاء المكان. تحول الحر إلى صقيع وجد حفرة حجرية صغيرة نام بداخلها حتى الصباح استيقظ عندما أحرقت الشمس جبينه وهكذا تكرر الحال يومين ثلاثة، ولا جديد ولا بشر إلا صوت وحوش الصحراء.

وكان يشاهد سيارات القمامة ولكنه لم يلحقها وهي لم تره. واشتد الجوع والعطش خارت قواه كثور مصاب بسهام مصارع محترف. انكسر جفناه وترهلت شفاه حاول الزحف خلف الشاحنات المارقة زاحفا. لم يستطع. رقد جثة هامدة اقتربت منه كلاب الجبل، وأخذت تنظر إليه وانصرفت. ثم هبط نسران من أعلى الجبل، كانا ينظران إلى بعضهما. ثم ينظران إليه وكأنهما ينتظران أن يغمض عينيه.

 

سامح ادور سعدالله 

كاتب وقاص مصري  

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment