ترشيح فرنجية فقد جدواه

05/04/2016 - 13:41 PM

Arab American Target

 

أحمد عدنان

 

استمرار المستقبل في السلبية ضرره أكبر من نفعه، الانتظار لن يقود إلى حلول إنما المبادرة، أتمنى أن يبلغ الحريري فرنجية بأن الاستمرار في ترشيحه مرهون بالنزول إلى المجلس النيابي، وإلا فإنه سيفكر في ترشيح آخر، والساحة اللبنانية غنية بالمؤهلين.

حين طرح الرئيس سعد الحريري مبادرته لترشيح النائب سليمان فرنجية، سعى إلى إحداث ثغرة في جدار الانسداد اللبناني. واستند الترشيح الحريريّ إلى مبررات عدة، منها أولوية إنهاء الفراغ الرئاسي وعودة الانتظام المؤسساتي، إحداث شرخ داخل قوى 8 آذار، واحترام ترشيحات بكركي التي انحصرت -ظاهريا- بين الأقطاب الموارنة الأربعة.

وقد برّر الحريري تفضيل فرنجية على ميشال عون بأنه تمكّن من إنجاز قواسم مشتركة، تعد توافقا بالحد الأدنى، يمكن أن تعبر بلبنان إلى بر الأمان في ظل العواصف الهوجاء التي تضرب المنطقة يمينا وشمالا. وبعد مرور الشهور على المبادرة الحريرية، من الواجب إعادة قراءة الموقف، فقد أنجزت المبادرة أشياء وأفسدت أشياء. ويغلب الظن أن المعطيات السياسية والإقليمية التي بررت ترشيح الحريري لفرنجية قد تغيرت، مما يستدعي مراجعة المبادرة وربما تصحيحها.

نعم، لقد أثبتت المبادرة الحريرية هشاشة تحالف 8 آذار وأحدثت شرخا حقيقيا بين مكوناته، تجلى في العزلة التامة بين حركة أمل وزعيمها، رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبين عون، وهناك خدوش واضحة أيضا في العلاقة بين عون وبين فرنجية.

ظنّ زعيم زغرتا أن ترشيح الحريري له سيلاقى عونيا بالتأييد وبالمباركة، فالجنرال وفرنجية من خط سياسي واحد، والعلاقة بين الطرفين يفترض أن تشبه علاقة الأب والابن، لكن الأيام أثبتت هذا التكاذب، فالجنرال السابح في عقده الثامن يرى أنه أمام فرصة أخيرة لدخول قصر بعبدا، وتضييع هذه الفرصة يعني ضياع الحلم قطعا ودائما.

وفي هذا المنطق يبدو كرسي الرئاسة أهم من علاقة الأب والابن وأهم من الخط السياسي الواحد وأهم من لبنان نفسه، وفي سبيل ذلك تعمّد عون وأتباعه إهانة فرنجية بشكل أو بآخر في غير موقف.

في المقابل، لم يسكت فرنجية، سليل الإقطاع وحفيد رئيس الجمهورية، ولعل أهم اللفتات المثيرة ما جرى في طاولة الحوار الوطني، فرنجية تكفل بإسكات الصهر العوني المدلل جبران باسيل، “التراجع المسيحي بعد الطائف إذا حصل، فسببه تصرفات عمك الهوجاء قبل الطائف يوم كان رئيسا للحكومة العسكرية”. وقبلها صرح لصحيفة لبنانية “حتى لو طلب منّي بشار الأسد وحسن نصرالله تنازلا رئاسيا لعون لن أفعل، لا أحد يلغي نفسه”. وكانت التتمة غير المنشورة لهذا التصريح “من الممكن أن أتنازل لأيّ أحد إلاّ عون”.

من أجل ذلك تحرك حزب الله محاولا إصلاح ذات البين بين فرنجية وعون، فصرح فرنجية “لا يهم إن كانت الرئاسة من نصيبي أو من نصيب عون، ما يهم أنها أصبحت لفريقنا السياسي”، وفي هذا التصريح -حين نربطه بالمواقف وبالتصريحات السابقة- دلالة على أن فرنجية حريص على علاقته بحزب الله لا علاقته بعون.

الأخبار التي تتحدث عن علاقة عون بحزب الله ليست بتلك الوردية كالسابق، من الواضح أن ترشيح القوات اللبنانية لعون رئيسا فضح المستور، فأصوات تحالف 8 آذار إضافة إلى أصوات القوات اللبنانية كفيلة -نظريا- بإيصال عون إلى قصر بعبدا، لكن الحزب الإلهي لم يبذل أيّ جهد لتحقيق حلم حليفه المسيحي، ولم يطلب من فرنجية الانسحاب لمصلحة عون، ولم يطلب من نبيه بري دعم الجنرال، بل إن بري قال إنه لن يصوّت لعون مطلقا، ليستمر استخفاف الحزب الإلهي بالجنرال وبمطالبه، لم يأبهوا باعتراضه على تمديد مجلس النواب لنفسه، ولم يأبهوا برغبته في تنصيب صهره قائدا للجيش، ولم يبذلوا أيّ جهد لانتخاب عون. ومشكلة عون أنه لا يريد مواجهة الحقيقة، دوليا لن يوصله سلاح حزب الله إلى قصر بعبدا، والحزب الإلهي من الأساس لا يريد الجنرال رئيسا.

هذا ما فعلته المبادرة الحريرية في أوساط 8 آذار، لكن ما فعلته في قوى 14 آذار أفدح، فالعلاقة باردة جدا بين حزب القوات اللبنانية وزعيمه د. سمير جعجع وبين الحريري وتيار المستقبل، وحزب الكتائب برئاسة الشيخ سامي الجميل في حالة تيه كامل، أي أن 14 آذار في حالة انعدام وزن حقيقية، والحريري -في مشهد غريب- بدا أقرب لبرّي وفرنجية من حلفائه، وكل هذا زاد استحكام ما يسمى بحزب الله في البلاد والعباد.

لقد احترمت المبادرة الحريرية مباركة بكركي للأقطاب الموارنة الأربعة، لكن لا أحد في لبنان وخارجه احترم هذه الترشيحات بداية من بكركي التي تحمل جعبتها لائحة سرية فيها دميانوس قطار وزياد بارود وروجيه ديب، والأقطاب الأربعة -عمليا- يعرقل بعضهم بعضا، وبقية الأطراف داخلا وخارجا تتحدث عن السفير جورج خوري والوزير جان عبيد والنائب هنري حلو وقائد الجيش جان قهوجي وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وبالتالي فإن الاختناق داخل دائرة محدودة غير مبرر.

بقي السؤال الأهم، هل نجحت مبادرة الحريري في إنهاء الفراغ واستعادة الانتظام المؤسساتي؟ لم تنجح، فالفراغ يتمدد، وحزب الله أبلغ فرنجية وعون بأن الفراغ سيطول عاما إضافيا أو أكثر انتظارا لتسوية سوريا، لكنه لن يقبل ترشيح غيرهما، فمن وجهة نظر الحزب الإلهي، أن المقام الرئاسي أصبح من نصيب 8 آذار نهائيا. والأسوأ من كل ذلك أن فرنجية لم يحترم جديا المبادرة الحريرية ولم ينزل إلى مجلس النواب بذريعة عدم نزول نواب حزب الله، وكأنه يتنعم بمكتسبات المبادرة الحريرية من دون القيام بأبسط التزاماتها، وفي هذا الإطار فإن التوافق السياسي بين فرنجية والحريري لم يعد ذا قيمة.

من أجل كل ما سبق، أجد الاستمرار الحريري في مبادرة ترشيح فرنجية خطر جدا، فإذا كان الحزب الإلهي ينتظر التسوية السورية لا يعقل إهداؤه الرئاسة اللبنانية مقدما، والسقف التفاوضي المنخفض الذي يبديه الحريري في ملفات عدة تسبب في خسائر كثيرة مباشرة وغير مباشرة، آخرها مبادرة جون كيري التي تجرأت -ضمن بنود كثيرة وتافهة- على التفكير في اعتماد النظام الداخلي لمجلس الوزراء من مجلس النواب، مما يعني استهدافا صريحا للموقع السني الأول، ويعني مواربة مباركته للتعطيل وللسلوك الميليشيوي، والسبب كامن في التصرفات المقابلة من التيار الحريري.

لا يمكن لوم كيري ونحن نرى سلبية مزعجة وقاتلة من تيار المستقبل الذي جاءته -على طبق من ذهب- فرصة إيقاف الهبة السعودية عن الجيش اللبناني لتحريك المياه الراكدة، لكن الحريري لم يفعل شيئا جديا واستمر الفراغ.

لا أتصور أن تيار المستقبل يظن أن التصريحات الإعلامية ستفضي إلى انتخاب الرئيس، إنما الضغط، كالاعتكاف عن الحكومة وقطع الحوار الثنائي مع الاكتفاء بالحوار الوطني، وتوالى الإجراءات التصاعدية، أما التصرف كأسرى الحرب في الحرم الإيراني مهين للجميع.

استمرار المستقبل في السلبية ضرره أكبر من نفعه، الانتظار لن يقود إلى حلول إنما المبادرة، أتمنى أن يبلغ الحريري فرنجية بأن الاستمرار في ترشيحه مرهون بالنزول إلى المجلس النيابي، وإلا فإنه سيفكر في ترشيح آخر، والساحة اللبنانية غنية بالمؤهلين وطنيا ومسيحيا كبطرس حرب وجوزيف طربية ونعمت أفرام وغيرهم من الأسماء المتداولة، لا يهم تجاوب الحزب الإلهي مع الترشيح الجديد، فالميليشيا التي تعطل انتخاب حلفائها لن تسهّل انتخاب خصومها أو المحايدين لأن مرشحها هو الفراغ كما قال سعد الحريري نفسه، لكننا نطوي صفحة ترشيح فرنجية لثلاثة أسباب، عدم نزول فرنجية إلى البرلمان وفشل المبادرة في تحقيق أهدافها وحاجتنا لتحسين وضعنا التفاوضي ورد بعض الكبرياء لصورتنا المحلية والدولية، والله من وراء القصد.

 

العرب

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment