اللبنانيون ينتظرون استحقاق الانتخابات البلدية بفارغ الصبر... فهل تكتمل الفرحة فعلاً؟

04/26/2016 - 21:33 PM

 

خاص بيروت تايمز

كتبت ميشلين أبي سلوم*

 

فيما كل الاستحقاقات معطَّلة في لبنان، الانتخابات النيابية والرئاسية، وفيما يضرب الشلل جزئياً الحكومة والمجلس النيابي، تمَّ الإفراج عن الانتخابات البلدية، وتقرَّر إجراؤها - مبدئياً - بدءاً من منتصف أيار المقبل.

الكثيرون شكَّكوا في استعداد الطاقم السياسي لإجراء الانتخابات البلدية، لأن العديد من أركانه لا يناسبهم ذلك. لكن القرار اتُّخذ بإجرائها، فتراجعت الشكوك بنسبة ملحوظة، لكنها لم تتبدَّد تماماً. وفي الأوساط السياسية هناك مَن يقول، حتى اليوم، إن المفاجآت ما زالت واردة!

ولكن، لماذا تجري الإنتخابات البلدية فيما الانتخابات النيابية مؤجلة منذ 3 أعوام، وحتى العام 2017، مع أن المبررات التي جرى تسويقها لإقناع الناس بالتأجيل هي إياها: الأمن لا يسمح...

فكيف يسمح الأمن في لبنان بإجراء الانتخابات البلدية فيما هو يمنع إجراء الانتخابات النيابية؟ مَن سيصدق هذه الخرافة؟ كما أن جزين ستشهد انتخابات نيابية فرعية في الوقت إياه، بالتزامن مع الانتخابات البلدية، خلفاً للنائب الراحل ميشال الحلو. فكيف تجرى انتخابات نيابية في جزين، ولا تجرى في الشوف أو عكار أو العاصمة أو النبطية أو سواها؟ أليس لبنان كله آمناً ومستقراً... حتى عرسال؟

وفي أي حال، هل يجوز للبنان، البلد الأعرق ديمقراطياً في الشرق الأوسط والعالم العربي، أن يتلكأ عن إجراء الانتخابات وهو في وضع مستقرّ تماماً، فيما تتم انتخابات تشريعية في الجارة سوريا، حيث الحرب مستعرة منذ خمس سنوات، والمؤسسات مضروبة، والمناطق موزّعة بين القوى النافذة؟

مَن يريد للبنان هذه الصورة السلبية ديمقراطياً؟ ولمصلحة مَن؟

إذا جرت الانتخابات البلدية في أيار، كما هو مقرَّر، فسيكون ذلك عملاً إيجابياً قامت به وزارة الداخلية. لكنه سيكون فضيحة ديمقراطية للطبقة السياسية، إذا لم تستكمل الخطوة بإجراء الانتخابات النيابية بالعودة عن قرار التمديد حتى 2017، وتقصير الولاية الممدَّدة. ولا ذريعة لدى السياسيين، لا الأمن ولا قانون الانتخاب الذي لا يولونه شيئاً من وقتهم وجهودهم ويتركونه عالقاً إلى اللحظة التي ينضج فيها تركيب الصفقة!

تقول الأوساط المتابعة إن ضغوطاً قوية يمارسها المجتمع الدولي على المسؤولين اللبنانيين لإجراء الانتخابات البلدية، تحت طائلة حرمان المجالس البلدية من التمويل الذي تطالب به لتنفيذ المشاريع الانمائية. فالشفافية عنصر أساسي لتسليم الأموال إلى المجالس المحلية، وتجديدها بعملية انتخابات ديمقراطية لتوفير هذه الشفافية.

وتضغط المؤسسات الدولية في اتجاه تدعيم اللامركزية الإدارية. وهي لا ترى أي مبرّر لتعطيل الانتخابات البلدية، على مستوى العائلات في المناطق، إذا كانت هناك تعقيدات تمنع إجراء الانتخابات النيابية.

ويبدو أن العديد من القوى السياسية اللبنانية تلقّت إشارات دولية بعدم السعي إلى تأجيل الانتخابات البلدية، خصوصاً أن هذه القوى نفسها ترفع شعار المطالبة بإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية، وتطالب القوى الدولية النافذة بالتدخل والمساعدة على إجراء الانتخابات.

وكان البعض طرح قبل فترة إمكان التمديد للمجالس البلدية والاختيارية الحالية نصف ولاية، أي ثلاث سنوات. والتمديد لأعضاء المجالس البلدية لا يعني التمديد لرؤساء البلديات، بل يقتضي أن يقوم الأعضاء الممدّد لهم بانتخاب رئيس للبلدية. وهنا قد تلعب التوازنات السياسية الجديدة والمصالح العائلية والمحسوبيات دوراً في اختياره.

والبعض يعتبر أن تعطيل الانتخابات البلدية، أياً تكن مبرراته الظاهرة، ليس في العمق سوى جزء من عملية التعطيل الشاملة التي يراد إغراق البلد فيها، وهي تشمل الشغور في موقع رئاسة الجمهورية والتمديد للمجلس النيابي وشلّ حركته، وتعطيل العمل الحكومي والتعيينات في المؤسسات والأجهزة والمرافق العامة.

فاستكمال واقع التعطيل هو ما سيتكفّل بأخذ البلد نحو الفراغ الشامل الذي سيضع لبنان في مواجهة الخيارات المصيرية التي سيأتي أوانها مع نضوج الخيارات الكبرى في المنطقة، وفي سوريا خصوصاً. وهناك قوى سياسية تترقّب هذه اللحظة وتعمل لها. وفي ظل هذه السلسلة من عمليات التعطيل المتعمَّدة، لا يمكن تجاهل الخيط الدقيق الذي يربط في ما بينها.

ولكن، على رغم ذلك، تعتقد الأوساط أن تأجيل الانتخابات البلدية لم يعد وارداً إلا في حال واحد: حصول اهتزاز أمني كبير. وهذا أمر لا يمكن تجاهله ولا توقعه في بلد المفاجآت والتحوّلات!

المتحمسون للانتخابات

مَن يتحمس للانتخابات البلدية، ومَن لا يتحمّس، ومَن يرفض ضمناً ومَن يقبل ضمناً؟ الخارطة تبدو موزّعة كالآتي:

١ - التيار والقوات مستعجلان إجراء الانتخابات لأنهما يريدان الإفادة من التحالف الطازج بينهما وتعميمه في الانتخابات البلدية، بحيث يتقاسمان معظم القرى والبلدات ذات الغالبية المسيحية، خارج المناطق الطاغية الحضور لزعامات مسيحية أخرى كما في زغرتا والمتن مثلاً، وكما في بشري حيث لا يقاسم عون حليفه جعجع.

وثمة كلام على أن الحزبين يعملان لتوسيع هامش التلاقي بينهما ليشمل القطاعات النقابية والطالبية والبلدية. وفي الأيام الأخيرة، جرى رفع وتيرة التنسيق بين الجانبين. وجرى في معراب لقاء ضم الدكتور سمير جعجع ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل والنائب ابراهيم كنعان الذي كان أطلق تحذيرات من تعطيل الانتخابات.

2 - يعتقد نائب مسيحي أن هذه الحماسة العونية - القواتية هي السبب الذي يدفع النائب وليد جنبلاط إلى عدم حماسة جنبلاط وتمني تأجيل الانتخابات حتى خلط الأوراق مجدداً. وعلى رغم أن الانتخابات البلدية هي معركة إنماء وعائلات ومحسوبيات قبل أن تكون معركة سياسية، فإن القرى والبلدات المسيحية في الشوف وعاليه وبعبدا خاضت الانتخابات البلدية في 2010 ببصمة سياسية واضحة، حيث كان جنبلاط أكثر ارتياحاً لوجود الثنائية المسيحية التي أتاحت له التحكّم ببعض مفاصل اللعبة. وهذا الأمر قد يبدو أشدّ صعوبة بتقارب عون وجعجع.

٣ - يؤكد تيار المستقبل تمسكه بالانتخابات البلدية في موعدها على رغم كل ما حاول البعض إشاعته عن رغبة بتأجيل الانتخابات البلدية إلى حين استتباب المزاج الشعبي في كل لبنان، من صيدا وجوارها إلى بيروت وطرابلس والمنية - الضنية وعكار وانتهاء بعرسال وقرى البقاع الغربي.

وقد نفى المكتب الإعلامي للرئيس سعد الحريري أن يكون الحريري قد طلب من رئيس المجلس النيابي نبيه بري تأجيل الانتخابات البلدية، مؤكدا أن موقفه الثابت هو موقفه المعلن مراراً وتكراراً بضرورة إجراء هذه الانتخابات في موعدها.

وكان موقع إلكتروني إخباري قد نشر خبراً يزعم أن الحريري طلب من بري تأجيل الانتخابات البلدية وأن البحث جار بينهما وبين النائب وليد جنبلاط لتأجيل هذه الانتخابات ثلاثة أشهر. وقد زار الرئيس الحريري النائب جنبلاط قبل أيام، في كليمنصو، وأكدا معاً استعدادهما لخوض الانتخابات البلدية.

٤ - يقول البعض في 14 آذار إن حزب الله، ليس متفرغاً لعملية لا قيمة لها في ميزان التوازنات السياسية حالياً، وأن الحزب منشغل، مع قواعده، بمهمات ووظائف أمنية وعسكرية مصيرية في سوريا ولبنان، كما تنشغل كوادره السياسيون بملف الاستحقاق الرئاسي الضاغط.

لكن مصادر الحزب ترفض تماماً هذا الإتهام، وتؤكد أن التنسيق قائم بينه وبين حركة أمل على قدم وساق، ومنذ أشهر، استعداداً لأوسع تعاون في الانتخابات البلدية بين الطرفين. فلا مشكلة عندهما إطلاقاً في أية منطقة، ولا منافسين حقيقيين لهما، لا في الانتخابات البلدية ولا الانتخابات النيابية.

وأما القوى الأخرى على الساحة، وغالبيتها تتمتع بتأثيرات مناطقية لا شاملة، باستثناء حزب الكتائب الذي له امتدادات في البيئة المسيحية، فهي تدرس خطواتها وفقاً للتوازنات المطروحة.

معارك سياسية أم عائلية؟

في أي حال، ستكون الانتخابات البلدية اختباراً أو مقياساً للمزاج السياسي الذي يسود اليوم، نتيجة التحولات المتسارعة، على رغم الطابع العائلي والإنمائي المفترض أن تأخذه المعركة. وأظهر وزير الداخلية نهاد المشنوق جهوزية وزارته الكاملة لتنظيم العملية الانتخابية، فيما مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالاستحقاق الانتخابي مستعدة لمواكبتها، ومنها الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات التي أعدت الحملات الإعلامية والقانونية المناسبة.

ويبقى العامل الانمائي والتنافس العائلي والتحالفات المحلية عوامل مؤثرة جداً في المعركة البلدية. لكن حدوث تغيير في المعادلة السياسية وتوازناتها القائمة في ضوء هذه المعركة غير مستبعد. والقوى السياسية إجمالاً مطمئنة إلى أن الانتخابات البلدية لن تؤثر على الستاتيكو القائم على مستوى السلطة. وثمة من يعتقد أن أهم ما يمكن أن تستثمره القوى السياسية من إجراء العملية الانتخابية، هو القيام بعملية تعويض عن غياب العملية الديمقراطية داخل معظم الأحزاب اللبنانية. لذلك، ستكون الانتخابات البلدية فرصة لهذه الاحزاب كي تختبر حيوية قاعدتها، من خلال انخراطها في التنافس الانتخابي وطرح المشاريع الانتخابية التنموية.

وهكذا ينتظر اللبنانيون استحقاق الانتخابات البلدية بفارغ الصبر، لأنهم مشتاقون إلى أية ممارسة ديمقراطية، في زمن التعطيل والتمديد والشلل. فهل تكتمل الفرحة فعلاً؟

 

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment