حالة حماسة دينية مفرطة

09/03/2015 - 04:12 AM

زوجات الرؤساء محمد نجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك والعياط والسيسي

 

عادل صوما

    سيطرت حالة الحماسة الدينية المفرطة على عقول الناس في الشرق الاوسط لدرجة انهم أصبحوا يرون كل شيء من منظور ديني، وبسببها صاروا حتى يسمعون امورا لم تُقال ويتناقلونها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي،  فخلال حوار مع الإعلامي محمد شردي على قناة "المحور" ببرنامج 90 دقيقة،  تحدث الفنان محمد صبحي عن مسألة تجديد الخطاب الديني وسط الصخب الإعلامي وحماسة الناس حول الامر نفسه، لكن بعد البرنامج تناقل الناس وزعمت بعض الصحف أيضا ان الفنان محمد صبحي قال إن القران يوجد به آيات خطأ وخطر على الأطفال ولا تصلح أن تُدرس للأطفال فى هذه المرحلة.

     محمد صبحي لم يقل هذا الكلام بتاتا وما قاله حرفيا هو: "عندنا امية دينية، لازم نعترف بكده وهي أخطر من الامية العلمية. أم طه حسين وأم العقاد ما هي كانت امية، ولكن شوف أنشأت طفل شكله أيه. عندنا قصور في مفاهيم دينية. لما بنتكلم على دور الازهر والكنيسة ورجال الدين الحقيقيين علشان يوصلوا.. أقول لك في آيات معينة بتُدّرس في المدارس الابتدائية، انا شايفها خطر..خطأ. دي آيات قرآنية مظبوط.. بس انت اخترت..اخترت آيات معينة علشان تعلّمها لطفل عمره 6 سنين فلازم تختار بعناية.. ولها منظور اخلاقي ايضا.. يعني انت بتاخد آيات لها منظور اخلاقي مش مجرد آيات معينة. احنا عندنا امية دينية ومحتاجين نصلح مفاهيم كتيرة قوي".

     الفنان محمد صبحي ليس فقيها، وما قاله واضح وصريح وما تقوله الناس ايضا واضح بحماسته المفرطة وعتمة العقل التي يعيشون فيها. مشكلة المسلمين انهم يتجاهلون مناسبة نزول الاية، فالايات التي نزلت لتحث قتال مشركي مكة منذ 1436 لا تصلح لتبرير ما حدث في سبتمبر 2001 في نيويورك وبنسلفانيا، كما لا تصلح ليستخدمها سُنّة اليوم لقتال الشيعة. ونسف الاثار بحجة انها معابد وثنية يعبّر فعلا عن حالة ظلامية وعدمية يعيشها فريق كبير من المسلمين، لأن هدم ونسف الاثار مؤيد فعلا بقلوب كثيرين، حتى احكام الاعدام الصادرة بحق مرشد الاخوان المسلمين والرئيس السابق محمد مرسي، ينظر إليها معظم المسلمين على انها احكام تعسفية صدرت ضد علماء دين، وليس تجار دين أضروا وطنهم بوقائع محددة وأدلة حسية.

    علم "اسباب النزول" يجب ان يعود إلى الواجهة إذا اراد المسلمون البدء بتحديث الخطاب الديني، لأن الحالة الدينية إنتقلت عند مسلمي اليوم من مجرد إيمان بالله إلى تجارة واسعة وتهشيم للإنسان والقوميات والتاريخ واتخاذ العالم عدوا لهم، بل إعتبار الوطن نفسه حفنة تراب عفنة حسب ما قال المفكر الاسلامي سيد قطب. هذا ما يحدث اليوم فعلا بين معظم المسلمين.

     دعوة تجديد الخطاب الديني اطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي امام مشايخ الازهر الذين صفقوا بفتور لما قاله، لأنهم ببساطة ليسو بروتستانت المسلمين ليجددوا الخطاب الديني. هم مجرد موظفون يقبضون معاشاتهم من الدولة وليسوا مفكرين. الدعوة كانت يجب ان تكون من الرئيس السيسي للمفكرين الذين همشهم الرؤساء عبد الناصر والسادات وحسني مبارك، الذين حاربوا التطرف امنيا وليس فكريا وتركوا حالة التخلف الديني والتعصب البغيض والتمييز تنتشر في مصر إلى أن بدت اليوم كالوباء، وإنتشار الحجاب والنقاب هو الدليل الواضح على إنتشار الفكر الامي والتمييز الديني فالايمان ليس بحاجة لحجاب، ثم ان حالات التحرش الجنسي والاغتصاب زادت مع تربية اللحى وارتداء الحجاب في العالم العربي بكامله!

     الشق الامني في مواجهة من يحمل السلاح والقنابل والارواح المفخخة واجب، وتحديث الخطاب الديني ضروري لإنتشال المجتمع المسلم من حالة الحماسة الدينية المفرطة والتجارة بالدين، وهي يجب ان تكون للمفكرين الذين يجب ان يدعمهم الرؤساء العرب كافة وليس الرئيس السيسي فقط.

     ذهب المسلمون ليتعلموا في أوروبا في اواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين وبلادهم مُستعمرة، وعاد بعضهم لينشر الاستنارة والفن ومبادىء العلم في بلادهم. وذهب المسلمون مهاجرين وتلامذة وبلادهم محررة في اواخر القرن العشرين إلى أوروبا واميركا واستراليا وكندا، فهاجم محمد عطا و18 شابا برجي التجارة بطيارات مدنية، وأنشأ بعضهم الجوامع التي تنشر التشدد والتزمت، وضرب بعضهم اوطانهم الجديدة التي أوتهم بأعمال ارهابية، وأنشأ بعضهم شرطة شريعة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لتغلق الحانات وتتلاسن مع المومسات  والمثليين، وتنشر التمييز وتعيش في مناطق محددة ولا تختلط ببقية السكان.    

     الامر واضح بين حالتين للشارع المسلم. ما هي الاسباب وما هو العلاج؟ حالة حماسة دينية مفرطة تسيطر على الشارع الاسلامي فعلا، لدرجة ظهور ما أطلقوا عليه "فنان تائب" وكأن الفن شرك بالله، وما يدعو للتأمل في إنتشار هذه الحالة هو أن الرؤساء عبد الناصر والسادات ومبارك الذي تغاضوا عن نشر التزمت الفكري بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كانت زوجاتهم غير محجبات بينما الرئيس السيسي الذي يحارب التزمت أمنيا ويريد ان يحاربه فكريا زوجته محجبة!

     الجرأة مطلوبة لتحديد سبب الحالة الدينية المفرطة، والمؤكد ان المفكرين العلمانيين الذيم لم تصبهم عوارضها هم المؤهلون لهذه الرسالة.     

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment