أيار شهر المساومات الداخلية جلسة الحوار المقبلة ستتحوَّل جلسة مقاصّة سياسية

04/25/2016 - 01:55 AM

 

خاص بيروت تايمز

كتبت ميشلين أبي سلوم*

 

سيكون أيار شهر المساومات الداخلية التي ستبلغ حدود الابتزاز لدى البعض. فالجميع محشور سياسياً ومضطر إلى الاختباء وراء الأقنعة في الوقت الحاضر. وفي مدى شهر من اليوم، سيشهر كثيرون أسلحتهم المخبأة، ويكشفون مواقفهم الحقيقية.

وليس واضحاً لماذا يجري التشديد على أيار باعتباره فرصةً لا تُعوَّض للتسويات السياسية الداخلية:

- النائب سليمان فرنجيه يعتبر أن عدم إجراء الانتخابات في هذا الشهر سيؤدي إلى تأجليها حتى نهاية العام وأكثر.

- الرئيس نبيه بري يجزم بأن أيار سيشهد جلسات تشريعية، ولو لم يحضر العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع والنائب سامي الجميل.

- الانتخابات البلدية والاختيارية جرى تحديد مواعيدها في أيار، على رغم رغبةٍ في التأجيل يتلمَّسها الجميع لدى البعض.

- قانون الانتخابات النيابية، الموضوع في الثلاجة عملياً منذ انتخابات العام 2009، جرى تحريكه في الأسابيع الأخيرة مع وعدٍ بوضعه على جدول أعمال الجلسة التشريعية في أيار.

المبررات واقعية

طبعاً، هناك مبرِّرات واقعية لجعل أيار ملتقى المواعيد والاستحقاقات. فالانتخابات البلدية تفرض توقيتها، وكذلك فتح الدورة العادية للمجلس النيابي. لكن تضخيم المراهنة على إنجازات في هذا الشهر يبدو في غير محلِّه. والأرجح أن العديد من الأفرقاء يكبِّرون الحجر حتى يصبح ثقيلاً جداً ولا يمكن حملُه وضرب الآخرين به.

في اعتقاد البعض أن تَداخل الملفات الموضوعة على الأجندة والصراع السياسي حولَها سيُضعف كثيراً احتمالات الوصول إلى نتائج. فالأطراف المعنيون يستخدم كل منهم ملفاً معيناً لا لتحقيق إنجاز فيه، بل للضغط على أطراف آخرين وإسكاتهم وتعطيل ملفاتهم.

يستخدم الرئيس نبيه بري ورقة لدفع القوى المسيحية، ولا سيما التحالف الرئاسي الناشئ بين عون وجعجع في وجه فرنجيه، إلى الجلسة التشريعية، وإلا فهي ستنعقد بمن حضر مسيحياً. ويحمِّل بري هذا التحالف مسؤولية فشل التوصّل إلى قانون للانتخابات النيابية. وهو يدرك أن عون وجعجع هما الأكثر حماساً للانتخابات البلدية، لأنهما باتا قادرين على اكتساح الكثير من البلدات والمدن في غالبية المناطق.

لكن رئيس المجلس سيقرِّر إذا كان سيعطي هذه الورقة للمسيحيين فيدعم إجراءها، أم يدعم تأجيلها مراعاة لآخرين. وهنا يصبح على عون وجعجع أن يساوما على قانون الانتخابات النيابية وعلى إجراء الانتخابات البلدية وربما الملف الرئاسي دفعة واحدة. وكذلك، على سواهما أن يساوم. وعندئذٍ، سيختار بري ما يناسبه سياسياً، وكذلك حزب الله.

قانون 1960 بات مناسباً للمسيحيين؟

لكن رهان القوى المسيحية الأساسية يتجاوز الجلسة التشريعية إلى قانون الانتخاب. ولم تنجح اللجنة النيابية المعنية في إقرار أي صيغة للقانون حتى اليوم. والأرجح أن هناك قراراً ضمنياً لدى بعض القوى بتأجيل التوافق على قانون جديد، لكي تبقى الذريعة قائمة لتعطيل الانتخابات.

ورشح أخيراً بعض كلام يوحي بأن عون وجعجع قد يعلنان دعمهما لقانون الدوائر- الأقضية، أي قانون العام 1960، لأنه أصبح مناسباً لتمثيل المسيحيين بعد تفاهمهما في لقاء معراب، الذي يمكن أن يلغي تشتُّت الصوت المسيحي.

وتقول أوساط سياسية إن هذه النظرة يمكن أن تكون صائبة، ولكن نسبياً، إذ تجدر الإشارة هنا إلى ثغرتين:

1 - إن الدوائر التي سيتحسَّن فيها وضع المسيحيين التمثيلي، بالتخفيف من تأثير الناخبين غير المسيحيين، الشوف، عاليه، بيروت، زحلة، جزين، جبيل... تتمثّل اليوم، ولو بمستويات متفاوتة، بنواب محسوبين على كتل التيار والقوات والكتائب.

وأما الدوائر الأخرى التي يدور نوابها المسيحيون في فلك الكتل الإسلامية الكبرى، في الشمال والبقاع والجنوب، فلا يغيِّر في نتائجها تحالف التيار والقوات، وتالياً، إن هذا التحالف يحسِّن وضع التمثيل المسيحي، إذا جرى اعتماد قانون 1960، ولكن نسبياً.

2 - إن تحالف الحزبين المسيحيين سيعطِّل حتماً تحالف كل منهما مع حلفائه في المستقبل وأمل وحزب الله والاشتراكي. وقد يعني ذلك أن بعض النواب المسيحيين الذين جاؤوا على لوائح الحريري وبري والحزب وأعطوهم إلى الحلفاء سيستعيدونهم ليأتوا بمسيحيين آخرين.

إذاً، إن الأحزاب المسيحية قد تربح هنا وتخسر هناك. ولذلك، إن مراهنة عون وجعجع على القبول بقانون 1960 ربما لا تحتاج إلى تدقيق حسابي فحسب، بل تدقيق سياسي أيضاً.

التأجيل سيّد المَخارج

هذا الواقع يدركه بري والحريري وحزب الله. لذلك، فاللعبة مفتوحة حول قانون الانتخاب. وأساساً، يرغب الكثيرون في استمرار تأجيل الانتخابات النيابية حالياً، بمعزل عما إذا كان سيجري الاتفاق على قانون للانتخابات أم لا.

فحزب الله قد تكون له أسبابه لتعطيل الانتخابات النيابية، ارتباطاً بالأجندة السياسية الكبرى. وربما يكون آخرون راغبين في التأجيل لعدم القدرة على خوض معركة تستوفي كل ما تحتاجه من طاقة وقدرة على التحكّم بالشارع، ومنهم جنبلاط.

وللضرورات إياها يفضّل هؤلاء تأجيل الانتخابات البلدية أيضاً. ويفضّل جنبلاط التأجيل لأن تحالف عون وجعجع سيضعفه في البلدات المسيحية أو ذات الحضور المسيحي، خصوصاً إذا كان النائب طلال إرسلان في موقع منافس له.

القادر على تلبية الرغبة في تأجيل الانتخابات البلدية ليس وزير الداخلية نهاد المشنوق طبعاً، ولا القوى المسيحية، بل حزب الله الذي يمتلك القرار واقعياً. لذلك، ستتم المساومة في جلسة الحوار وقبلها وبعدها: مَن سيعطي مَن في هذا الملف أو ذاك، لنُجري المقايضة؟

الأرجح، يقول مطلعون، ستكون جلسة الحوار المقبلة بمثابة جلسة مقاصّة يتم فيها تبادل المصالح في الملفات. مثلاً: الانتخابات البلدية مقابل قانون الانتخابات أو الانتخابات الرئاسية...

وفي أي حال، سيكون عقد الجلسة التشريعية مطلوباً - أياً يكن الأمر - تحت طائلة تعطيل الحكومة أيضاً. وسيكون العنوان: لن نقبل بعد اليوم بازدواجية التعاطي في غياب رئيس الجمهورية، أي تعطيل المجلس مقابل الاستمرار في تسيير أمور الحكومة.

ويبدو أن الرسالة تلقفها البعض. وقد أعلن رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة موقفاً إيجابياً من الجلسة التشريعية... وبَعدَه كرَّت السبحة.

أمن الانتخابات البلدية

في الموازاة، يبدو الاتجاه حثيثاً على الأقل من الناحية الإجرائية لتمرير الإستحقاق البلدي، ومعه الانتخابات النيابية الفرعية في جزين. ولذلك، يبرز السؤال: إذا كان الأمن متوافراً في لبنان لإجراء الانتخابات البلدية، فما الذي كان يمنع إجراء انتخابات نيابية تزامناً، وفي كل لبنان؟

فدعوة الهيئات الناخبة إلى الانتخابات البلدية مشابهة لدعوتها إلى الانتخابات النيابية، لأن الناخبين هم ذاتهم الذين سيقترعون في أقلام الإقتراع.

فهل فعلاً أن الجميع خاف من الضغط الأوروبي والإقليمي لإجراء الانتخابات البلدية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين كان هذا الضغط لدى انتهاء اول تمديد للمجلس النيابي؟

ويقول مصدر سياسي إن الاوضاع الأمنية جيدة محلياً لإجراء أي استحقاق، والحجج المعتمدة حتى اليوم لتأجيل الاستحقاق النيابي لا أساس لها. والفشل تلو الآخر في الوصول الى قانون انتخابي حتم علينا عدم التفكير في هذا الاستحقاق الضروري لأن بعض الاطراف ترفض الذهاب الى اي انتخابات نيابية بالقانون الحالي.

إذاً، إنها خلطة سياسية سينشغل بها الوسط السياسي في الأسابيع المقبلة، ذات عناوين كبيرة، ولكن الجبل قد يتمخض ليلد فأراً: أي قانون انتخاب سيولد في هذه الأجواء؟ هل ستُجرى الانتخابات البلدية فعلاً؟ وكيف السبيل إلى إنهاء المراوحة في ملف الانتخابات الرئاسية؟

لكن المكفول يبقى فقط أن عمل الحكومة سيستمرّ مقابل عقد جلسات تشريعية، تحت عنوان التفاهم السنّي- الشيعي، تحت سقف المعادلة التي جرى تطبيقها منذ الحلف الرباعي والدوحة حتى الجلسات الاضطرارية الأخيرة، أواخر العام 2015، والتي شهدت إقرار التشريعات المالية المطلوبة دولياً.

يومذاك، جرى - من أجل الحفاظ على الحدّ الأدنى من ماء الوجه - إرضاء المسيحيين بقانون استعادة الجنسية. والأرجح، سيجري إرضاؤهم بشيء ما لتمرير الحفلة الجديدة. لكن ما أعدَّه فريق الطباخين يجب أن يؤكل... ولو نيئاً!

هناك غرامٌ وانتقامٌ بين بري وعون، وبين الحريري وجعجع، وبين عون وفرنجيه. وهناك خطوبةٌ طويلة الأمد لا أفق لها بين عون وحزب الله. وهناك حواران وحكومة ومجلس لا يتناسل فيها جميعاً إلا الفضائح التي تولد لتموت... لتولد أخرى، إلى ما لا نهاية ولا محاسبة!

 

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment