فيروز ظاهرة لا تتكرر وصوتها المميز تأثر به الشعراء

09/15/2020 - 10:24 AM

AAI

 

حسن الخطيب

 

" قالوا كتير و كتبوا كتير" هي العبارة التي استحضرتني عندما أردت كتابة مقالي عن السيدة فيروز. بكل بساطة أشعر أنّ الكتابة عن فيروز عمل متعب ومهمة شاقة غالباّ ما تنتهي بالفشل وترتد على صاحبها الذي يجد نفسه تائهاً بين عبارات مديح مستهلكة أو جمل سطحية لا تفي المضمون حقه فتأتي النتيجة مخيبة للآمال ولا ترتقي المهمة الى مستوى الشخصية المزمع الكتابة عنها.

بكل اختصار أطلت فيروز من جديد. بدت قوية، مبتسمة، صامدة في وجه الزمن، ساخرة من السنوات التي لم تترك أثراً على طلتها البهية. قامتها الشامخة التي أدوخت اللبنانيين وفجّرت مواقع التواصل الإجتماعي ذكرتني بما قاله أنسي الحاج يوماً: عرفت الفيروزية جميع النبرات ما عدا نبرة واحدة ألا وهي نبرة الإنكسار.

حضورها المسيطر في كل زمان ومكان والذي حجب الضوء حتى عن الزائر الفرنسي الكبير ذكّرني أيضاً بما قاله الأستاذ منصور الرحباني قي مقابلة مع الشاعر هنري زغيب حين قال: سأخبرك سراً يا هنري، نحن كنا ورشة كبيرة بخدمة صوت فيروز، أنا و عاصي وصبري الشريف ولكنّ المشكلة أنّ الناس حين تعرفوا إلى فيروز لم يعودوا مهتمين بنا، كل ما أرادوه هو فيروز، ليردف قائلاً أنّ فيروز ظاهرة لا تتكرر وأنّ صوتها المميز تأثر به الشعراء.

ويستحضرني هنا كلام الصحافي عبد الغني طليس الذي كتب يوما التالي: " أعاد الأخوان رحباني تقديم "الشخص" ببطولة رونزا هذه المرة عام 1980 ثم نزلت رونزا، بعد ذلك، اسما اول في المفكرة الرحبانية في مسرحيات لاحقة ("المؤامرة مستمرة" 1980 و"الربيع السابع" 1982) في شكل بدا للجمهور ان الاخوين استبدلا فيروز برونزا واحلاّها محلها، فهاجت الذاكرة الشعبية التي اعتادت ربط الاخوين رحباني بفيروز لا بغيرها، واستُقبلت رونزا بسوء بالغ (من دون مناقشة صوتها) لأنها تحولت في نظر الجمهور بديلا ممن لا يرضى الجمهور منها بديلا، اي فيروز. ولم يمر وقت طويل حتى اقتنع عاصي ومنصور ان عملية الاستبدال، سواء خططا لها لتكون استبدالا ام لم يخططا، لن تنجح، وان تراجع مستوى الاقبال – قياسا بالماضي – الجماهيري والنقدي على المسرحيتين المشار اليهما مع رونزا، بالاضافة الى وَهَن نصيهما وبنائهما المسرحي اصلا، ادلة قاطعة على ان شيئا ما، وسيّئا بالتحديد، يجري، وينبغي وضع اليد عليه في التجربة الرحبانية قبل استفحاله. و"تأكد" لعاصي ومنصور ما كان مؤكداً وقد حجبه غبار الخلاف مع فيروز، ان فيروز لم تكن صوتا بل ملهمة جمال، ولم تكن بطلة لمسرحياتهما بل كانت روحا في النص المسرحي نفسه".

أترى هذا هو سر الحرب الدائمة على فيروز: ثلاثين عاماً من مواجهة الأزمات، مواجهات عائلية، إنذرات قضائية، محاولات لإسكات صوتها، سعي دائم إلى نسف اسمي عاصي و فيروز وتذويبهما في ألقاب وعبارات شاملة تافهة تائهة، احتلال دائم لمنابر الصحافة من قبل المتسلقين على اسم فيروز والأخوين رحباني، محاولات فاشلة لتسخيف تاريخ الأخوين ونسبه إلى الجيل الجديد بالإضافة إلى تشويه الأعمال وإعادة توزيعها بصورة معاصرة فاشلة.

يقول الأستاذ عاصي الرحباني: الفنان الحقيقي هو يللي بعبّر عن نفسه بإخلاص وإذا كانت هالنفس مش كتير عظيمة بكون هو مش فنان عظيم، بس مهم إنو عبّر عن نفسه.

الفن لا يمكن أن يورث والأحرى بأبناء وأحفاد العائلة الرحبانية السعي الدائم إلى رسم هويتهم الخاصة بعيداّ عن أعمال السيدة فيروز والأخورين رحباني، لأنّ تجربة هذا الثلاثي أكبرمن أن يتم توريثها أو إستغلالها لبناء النجاح عليها. كما أنّ العامل الحاسم في نجاح هذه التجربة هو وجود صوت فيروز الذي أوصل الأعمال إلى الناس، فالأعمال التي نسجها الأخوان وعلى عظمتها لم تكن لتصل إلى قلوب الناس بلا فيروز. وليس من المبالغة القول أنّ القسم الأكبر من الأعمال الرحبانية التي قدّمت بغياب فيروز منذ العام 1979 لم يكتب لها النجاح الباهر، بينما استطاعت فيروز إكمال الدرب مع زياد و ملحنين آخرين وشكّلت التجرية الزيادية الفيروزية مشروعاً مميزاً فتح آفاق جديدة في عالم الموسيقى.

تحية إلى الأستاذ زياد الذي استطاع بناء اسمه باكراً بعيدأ عن تجربة والديه ومن دون الإتكال على اسم العائلة أو التسلق على إنجازات فيروز والأخوين. ولا بد من توجيه بعض العتب إلى زياد الذي يطيل الغياب من أن يدرك أن الحاجة إليه وإلى موسيقاه في هذا الزمن الردئ أصبحت كبيرة.

تحية إلى السيدة ريما التي لا تزال حارسة الهيكل القادرة على صدّ الأمواج العاتية التي تحاول ضرب اسم فيروز وعاصي منذ الأزل.

والتحية الكبرى إلى السيدة فيروز الصامدة والصامتة الكبيرة، فعندما أرى الهجوم المتواصل عليها يستحضرني جواب أحد رجال السياسة الكبار الذي حين سئل عن الهجوم الكبير والمستمر عليه بادر بالإجابة: أنظروا إلى شجرة السنديانة، هي قوية صامدة في وجه الأعاصير والعواصف، ولكن إن نظرتم إلى قعرها سترون الأعشاب اليابسة التي تنمو حولها وتقتات منها، هي سرّ وجودهم، إن غابت أو كسرت، يموتون فوراً. وهكذا بعض الناس، يستمدون الحياة من الهجوم والتسلق على أسماء غيرهم، ليقولوا نحنا هنا.

 

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment