التركيز على الابتكار مع النفط

04/04/2016 - 19:16 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تواجه دول الخليج العربية تحديات مالية كبرى نتيجة انهيار أسعار النفط وغياب أي أفق جدي للارتفاع القريب. بدأ التفكير العلمي حول البدائل ليس فقط في هوية السلع والخدمات، وانما في خلق وتطوير ذهنية جديدة تسمح للانتاجية بالارتفاع وللسكان الأصليين بالنزول أكثر الى سوق العمل. لا يمكن الانتقال بسرعة وسهولة من واقع يعتمد على الايرادات النفطية السهلة لتمويل الاقتصاد والمجتمع والدولة الى آخر يرتكز على الانتاج والابداع وخلق الفرص المناسبة. الموضوع ليس مالي وانما ثقافي حضاري يأخذ تحقيقه سنوات من الجهد والعمل والتشريعات الجديدة.

التحديات التي تنتظر دولنا الخليجية

نقل المجتمع من ضفة الى أخرى يحتاج الى قيادات قائدة في كل الميادين والقطاعات وحتى الشركات. الأمثلة كثيرة وعديدة وتشير كلها الى التحديات التي تنتظر دولنا الخليجية، فالطريق صعبة ومليئة بالحواجز لكنها حتما ممكنة.

هنالك مثالان كبيران هما كوريا الجنوبية وايرلندا حيث اعتمدتا على التكنولوجيا للنمو اختراعا واستعمالا في الاقتصاد والتعليم والانتاج. انتقلت كوريا من دولة فقيرة الى أخرى غنية خلال عقود قليلة من الزمن. فقط المقارنة مع الجار الشمالي يشير الى الفرق الهائل في السياسات المطبقة على شعب واحد مقسوم قسرا نتيجة الحرب الباردة. تستمر كوريا في تحقيق نمو مقبول عندما تعجز أرقى الدول عنه.

منذ سنة 2012، تنمو كوريا بمعدل سنوي قدره 3% بفضل ارتفاع نسبة الادخار الداخلي الى 35% من الناتج مقارنة ب 30% للاستثمارات. هذا يعني أن تمويل الاستثمارات يتم من الداخل، مما يخفض التكلفة ويسمح للشركات بتحقيق الأرباح التي تستثمر بدورها. يتبع هذا الواقع نتائج مهمة على صعيد ميزان الحساب الجاري أي فائض قدره 6% من الناتج مرتكزا على صادرات كبيرة (620 مليار دولار) ليس فقط في الكمية والقيمة وانما أيضا في النوعية من الالكترونيات الى السيارات والهواتف والى كافة السلع التقنية.

فائض مستمر في الموازنات

هنالك أيضا فائض مستمر في الموازنات نتيجة حسن الادارة وارتفاع الايرادات كما بسبب ترشيد الانفاق بالرغم من وجود فساد معلن يجب القضاء عليه تبعا للرئيسة "بارك". أما الاحتياطي النقدي، فيبلغ حوالي 350 مليار دولار أي تغطية 7 أشهر من الواردات وهذا جيد. نتائج مدهشة لدولة تفتقر الى المواد الطبيعية وتقع في منطقة تشنج سياسي كبير معتمدة على العمل الجاد والتكنولوجيا المتقدمة.

أما ايرلندا التي عانت الكثير من الأزمة المالية الدولية، ها هي تتعافى اليوم بقوة وسرعة لتعود الى سابق مجدها. ارتكزت على التكنولوجيا للتطور في غياب الغنى المادي الطبيعي. بعد تدني النمو نتيجة أزمة 2008 وتعثر بعض مصارفها، ها هي تحقق في سنة 2014 نموا قدره 5,2% و 6,3% في سنة 2015 ومتوقع قدره 4,2% لهذه السنة. نسبة الادخار هي في حدود 20% من الناتج ونسبة الاستثمارات في حدود 17% منه. هذا يسمح بتمويل الاستثمارات بتكلفة منخفضة. لم تنجح الدولة في تخفيض نسبة البطالة التي ما زالت مرتفعة في حدود 10%، لكن هذا ليس حالها وحدها وانما مرض أوروبي كبير وعميق جاءت أزمة المهاجرين لتزيده حدة.

لا تتعدى نسبة الدين العام 85% من الناتج أي أعلى من المعدل المقبول أوروبيا وهو 60%، لكنه ليس كارثيا اذا ما قورنا بدول أخرى كاليابان ولبنان. ميزان الحساب الجاري فائض في حدود 3% من الناتج مما يشير الى استقرار الاقتصاد وتمتعه بالحيوية التصديرية المميزة. عدد السكان لا يصل الى 5 ملايين مع ناتج فردي سنوي قدره 41 ألف دولار.

ادارة الدولة فاعلة وتتمتع بالشفافية وبمقدار محدود ممن الفساد

هل يمكننا أن نصل خليجيا الى هذه المستويات وما هي الشروط المطلوبة التي يجب العمل عليها ليس عندما ينتهي النفط والغاز وانما بدأ من اليوم وبسرعة وقوة؟

أولا: لا بد من الاستعانة بقدرات بشرية خارجية من الأفضل أن تكون عربية كي تبقى الفائدة ضمن المنطقة. من الضروري وضع الأشخاص أصحاب الخبرة والكفاءة في مواجهة التحديات والتجهيزات والمعدات في الجامعات والمختبرات ومراكز البحوث. المطلوب أفكار جديدة تأتي من الحوار وتبادل المعلومات والخبرات. ليس المهم الوصول الى نتائج ابداعية سريعة، انما الأهم وضع طرق عملية وعلمية لمحاولة تحقيق الابداع الذي يمكن أن يأخذ وقتا طويلا. هنالك شروط ثلاثة ضرورية للنجاح وهي الحاجة والفرصة والقدرة وكلها متوافرة في الخليج.

ثانيا: يجب تطوير استراتيجية قابلة للتحقيق ليس فقط من قبل الحكومات وانما مع وبالتعاون مع القطاع الخاص وجمعياته. المطلوب مشاركة الجامعات ومراكز البحوث لأننا اليوم عربيا نحتاج الى الأفكار الجديدة الخلاقة الفريدة أكثر من أي شيء آخر. المطلوب خلق الايطار المناسب كي تنبع الأفكار الجديدة منه.

ثالثا: الأفكار الجديدة هي كالأطفال أي تختلف من واحدة الى أخرى، والمخترعون هم كالأهل يهمهم رعاية الأطفال كي يكبروا بسلام ويدخلوا الحياة بأفضل التحضيرات الممكنة لرفع فرص النجاح المادي والمعنوي. هنالك مصلحة للأهل من انجاح أولادهم، وهذا طبيعي وضروري ويشير الى وعي الأهل وفهمهم لتحديات الحياة.

رابعا: هنالك ضرورة لايجاد التشريعات والمؤسسات الحديثة المناسبة لحماية الملكية الفكرية. لن ينتج المخترعون أفكارهم في منطقة لا تحمي انتاجهم بل يفضلون الذهاب الى الغرب تحديدا. يجب احترام الاختراعات والمخترعين، وبالتالي عمل ما يجب كي يضعوا ثقتهم في القوانين والمؤسسات المحلية والاقليمية.

خامسا: الابداع لا يأتي من لا شيء بل من التحضيرات الضرورية له، حتى من تقاطع العلوم والمعلومات في ميادين مختلفة ربما بعيدة بعضها عن بعض. يمكن دراسة مبادئ الابداع وممارسته وتدريسه. الابداع أصبح علما ولم يعد هواية كما كان في الماضي. ليس كل جديد ابداعا، انما هنالك شروط له تبدأ من الفوائد المادية والمعنوية الى سهولة الاستعمال والصيانة والتقييم والتسويق وغيرها.

لا بد من آخذ مثال ثالث مهم نابع من التجربة الاسرائيلية في الابداع التي تدرست على اليد الأميركية. من العوامل المشتركة في الحالتين، الاتكال على البحوث الآتية من الجيش الذي لا يلعب دورا أمنيا ودفاعيا وهجوميا فقط وانما دورا أكاديميا أساسيا. الأنترنت مثلا نبعت من الجيش الأميركي الذي وجدها لوصل فرقه العسكرية عبر العالم. الجيش الأميركي خلاق اليوم في تطوير تكنولوجيا الطيران والحواسب وغيرها.

نفتقد الى هذه الميزات في عالمنا العربي ولا بد من الاستفادة من قدرات العسكر ليس فقط في مهمته الأصلية وانما في كل شيء. هذا يسمح أيضا بتعميق العلاقات بين المجتمعين المدني والعسكري للمصلحة المشتركة. ليس من الضروري خلق ابداعات كبيرة، وانما عددا من الاكتشافات الصغيرة. ليس هنالك "نوكيا" فنلاندية عملاقة في اسرائيل، وانما مجموعة من الاختراعات الصغيرة التي تعكس القدرة المادية والرغبة في الاستقرار الذي يتحقق من

التنويع الانتاجي.

استمرار رفع الانتاجية وتحسين الأوضاع الاجتماعية

لذا نما الاقتصاد 2,6% في 2014 و 2,3% في 2015 مع ميزان حساب جاري فائض واحتياطي نقدي في حدود 90 مليار دولار. هنالك تحديان أساسيان لاسرائيل هما استمرار رفع الانتاجية وتحسين الأوضاع الاجتماعية للجميع.

أخيرا، رفعا للانتاجية لا بد من أن يركز أي باحث جهده على مشروع ابتكاري معين ولا يحاول توزيع قدراته على مهمات عدة. المهم اعطاء الوقت الطويل للابتكار، اذ لا يمكن أن يقتصر على الساعات الرسمية للعمل (9 الى 5). الأجيال الجديدة ترغب بالعمل بحرية ودون التقيد بساعات محددة على المكتب. المطلوب تطوير قوانين العمل عربيا ليس فقط من ناحية الدوام، وانما من ناحية المحتوى والنوعية رفعا للانتاجية التي تبقى أساس التطور والتقدم.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment