الطائر والغجرية

07/02/2020 - 11:31 AM

ِAMERICAN POWER INSURANCE

 

 

بقلم: ضياء محسن الاسدي

 

كانت قرية جميلة غناء بأشجارها الكثيفة المثمرة بالفواكه وزهورها المبعثرة هنا وهناك محيطة بالبيوت البسيطة جدا تدل على ساكنيها البسطاء في معيشتهم تطل بوجهها المشرق على الساحل الجميل للشاطئ بأمواجه المتكسرة على حبات رماله البراقة يفترشها بين الحين والآخر وبالخصوص بعد ميلان الشمس بحرارتها لتقرض وجوه السائحين والزائرين النصف عراة الممددين على رماله ليستمتعوا بحرارة الشمس الجميلة التي تلامس الوجوه المحمرة مستمتعين بحمامهم الشمسي اللطيف والقسم الآخر تحت المظلات المتدلية فوق البعض منهم وصخب الأطفال وهي تلامس أقدامهم أمواج الشاطئ الصغير وضحكاتهم البريئة وهم يلعبون بالرمال ليقيموا منها تماثيلهم الطفولية وقلاعهم وفي المساء يتغير كل شيء في القرية حيث تتحول القرية وهذه البيوت البسيطة إلى حلقات من الرقص الجميل والطرب الغجري وأنغام الموسيقى لتدور عليهم بعض الفتيات الجميلات وهن يتراقصن ويتمايلن ليملئن الجو فرحا وبهجة وسرورا حتى الصباح.

ومن بين الفتيات فتاة جميلة في العشرين من عمرها ذات الوجه الدائري الأبيض المشرئب حمرة والشعر الكستنائي المجعد كأمواج البحر الهائج لقريتها والقوام الممشوق طولا كغصن بان محط أنظار الفتيات والشباب من قريتها الغجرية المتمردة على الواقع والمتحررة من القيود العائلية والاجتماعية حالمة بأحلامها الخاصة التي رسمتها مخيلتها الغاضبة على واقعها وعلى أقرانها لتكون بمعزل عن الآخرين رافضة لكل ما يقيد حريتها وأسلوبها الخاص بالحياة متحملة انتقاد عائلتها العنيف وفي الصباح الباكر تنهض بكل رشاقتها وأنوثتها لتقف أمام المرآة الطويلة المسندة إلى الحائط لترى كامل جسدها وهي تدور حوله لتستطيع أن ترى قوامها الممشوق بكل بهاء وجمال لتقنع نفسها انها هي الأجمل والأروع من بين أفراد قريتها وتتفرس وجهها الذي تستحي منه المرآة لجمالها وبعد ما تأخذ قليلا مما أعدته لها والدتها من الفطور على عجالة لتخرج مسرعة إلى فناء الدار ممسكة بقفص مشبك لطائر مغرد جميل ربته على يديها منذ سقوطه من العش  ليعيش في كنفها مع أحلامها وآهاتها يشكو احدهما الآخر همومه بصوت حزين وبتغريدة تطرب أذنيها الموسيقية العاشقة .كانت تجلس أمامه ساعات وساعات لتبث شكواها وما يدور من أفكار ترهق رأسها المرهق حين تفكر بترك حياتها باحثة عن الاستقرار العاطفي والنفسي والعائلي مع شريك لها بمواصفاتها هي وحدها وأن يكون من خارج الوسط العائلي ليتقبل مفردات شخصيتها المتمردة على الواقع الذي ملت منه ورفضته وبالمقابل تعود إلى التساؤل عن خوفها من  المحيط الذي تعيش فيه خارج نطاق العائلة الغجري فهل سيتقبلها.

هذا مما زاد فرحة الطائر بهذا القرار الجريء في البقاء على ما هو عليه والذي كان ينتظره منها بفارغ الصبر وبشغف لأنه قرر كذلك البقاء بعيدا عن الحرية وأزال من مخيلته الخروج من القفص الذي تربى فيه وعاش طفولته على يد الفتاة الغجرية ورعايتها الى مجهول قد يكلفه حياته ولأن الفتاة الغجرية تعرف معنى الحرية والاستقلال والتحرر من القيد فقد وجدت ضالتها بذلك الطائر الجميل المغرد الذي جمعها به علاقة حميمة منذ الصغر لأنه وحده يعرف معنى الحرية ويقدر مذاقها وطعمها وعندما كانت تجلس أمامه وتطلق العنان لحزنها وشكواها وتحاوره بمكنون صدرها كان يملا الفناء بالتغريد ليطرح ما يجول في خاطره من الم الغربة للوطن والأهل والأصدقاء وألم الحرية المفقودة منذ زمن بعيد لولا السلوى التي تفيض عليه الغجرية لكان انتحر ومات هما وكمدا فكانت له السلوان والأمل في البقاء لأنهم في مأساة واحدة.

وفي بعض الأحيان كانت الفتاة الغجرية توصد الباب والشبابيك عليها لتخرج الطائر من قفصه لتجلسه على يديها الناعمتين لتطعمه من فمها فتات الخبز وتسقيه من رضاب شفتيها الصغيرتين وتجلسه تارة على كتفها ليغفو بين طيات خصال شعرها المتدلي على كتفها ثم يتمادى قليلا ليقترب شيئا فشيئا حتى يلامس وجنتيها الجميلتين الناعمتين كريشه الملون  تراقصه وتداعبه وتغني له بلهجتها الغجرية مستأنسة به وهو يرد عليه بصوته العذب يفيض جو الغرفة تغريدا كأنها سمفونية حب جميلة بين عاشق ومعشوق بين عازف وملحن هكذا الحال يوميا.

زاد الارتباط بينهما وتوثق شيئا فشيئا ليصل بها الحال شكواها له من ما يدور في قلبها من حب لشاب من أطراف القرية يبادلها الشيء نفسه ويختلس النظر إليها بين الحين والآخر ويراقب كل تحركاتها لكن خوفها من المجهول وما يخبأه لها القدر من مفاجئات تتراجع عن فكرتها في الارتباط به وتخوفها من دخول قفص الحياة العائلية الذي لا يمنحها الحرية التي عاشتها طوال حياتها وعندما تتوجه بالسؤال إلى الطائر مخاطبة إياه يطرق الطائر برأسه نحو الأرض وزفرات الألم والاه تحرق صدره وتحبس أنفاسه ولسان حاله يقول أما أنا من لي في هذه الدنيا ومن لا يحب الحرية والعيش خارج القفص الصغير من يرفض أن  يحلق في هذه السماء الجميلة ويشم عطر أزهارها زهرة زهره وشجرة شجرة .

لكن يرجع ويقول من يعرف ما المستقبل المجهول وكيف الأمان من الخارج وأنا لا أعرف ما يدور من حولي لا أهل لي ولا أقرباء قد يكون الخروج انتحار بيد صائد للطيور أو رمية حجر من صبي طائش ينهي حياتي .

أن هذا الصراع الفكري الدائر يوميا بينهما وهذه الشكوى والألم توقف كل مشاريعهما والاثنين خائف من النتائج الغير محسوبة النهاية جلست الفتاة أمام قفص الطائر وهي واثقة من نفسها هذه المرة وبإرادة صلبة لتتخذ القرار النهائي لا رجعة فيه بأنها سوف لن تجازف في دخول القفص الزوجية أبدا لتبقى تتنعم بحريتها في مجتمعها الغجري لا يعكر صفوه حرية أخرى.

 

 

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment