دائما السلطة والمال

07/01/2020 - 13:51 PM

ِAMERICAN POWER INSURANCE

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

من الصعب ايجاد سلطة عامة من دون مال حالي أو مستقبلي ظاهر أم مخباء وراءها. السلطة تجذب المال بطريقة شرعية أو غير شرعية، والعكس صحيح اذ يفتح المال شهية السلطة كما حصل مع الرئيس ترامب. الثروة أتت به رئيسا لأقوى دولة أكثر بكثير من الفكر السياسي الظرفي. من الصعب ايجاد أشخاص أتوا الى السلطة، أي سلطة عامة، وخرجوا من دون مال حتى في أعرق الدول. محاكمات رئيس الوزراء الفرنسي السابق "فيللون" ورئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي وغيرهما تشهد على هذا الواقع المرير. الثروة تكون أكبر عند الخروج مقارنة بالدخول الى الشأن العام في معظم الحالات.

في الدول النامية والناشئة، السلطة والمال متلازمان في غياب الشفافية والمحاسبة وفي غياب الديموقراطية الحقيقية التي تمنع عمليا الارتشاء من دون حدود. الفقراء لا يصلون الى السلطة حتى في أعرق الدول ديموقراطية وأقصد هنا الدول الاسكندينافية. هنالك دائما استثناءات لكن الحقيقة واضحة وهي أن المال يجلب السلطة والعكس صحيح. تطور المجتمعات يبنى على هذين العاملين المهمين من دون أن يعني ذلك بالضرورة انه تطور ايجابي، بل ربما تغيير سلبي خاصة في الدول ذات المؤسسات العامة الضعيفة.

عودة الى بعض التاريخ حيث لم تحصل الثورة الصناعية بالصدفة في أواخر القرن الثامن عشر في بريطانيا، بل كانت هنالك عوامل ومؤشرات فرضت حدوثها في المكان والزمان. بسبب الثورة الصناعية، تحولت بريطانيا الى مجتمع اقتصادي ومدني فريد وجديد. بسبب الثورة الصناعية وربما أن التسمية خاطئة، بل بسبب التطور الصناعي تغيرت بريطانيا. فالتغيير لم يكن سريعا ولم يكن عنفيا، بل أخذ وقته وبهدؤ. بسبب "الثورة"، ارتكز الاقتصاد البريطاني تدريجيا على الصناعة عوض الزراعة وتحركت الخدمات فيما بعد. ارتفع عدد السكان ونشأت المدن وانتقل الناس للعيش في المدن التي كبرت وتطورت. ارتكزت الأنشطة الصناعية على وحدات أنشئت لهذا الغرض، وليس ضمن المنازل كما كان يحصل سابقا. طريقة الانتاج الصناعي انتقلت من الحرفية الى المهنية، وبالتالي لم يعد بالامكان حصرها في المنازل.

أما قلب التغيير الصناعي، فكان البخار الذي أصبح مصدر الطاقة الأساسي بدل الحيوان والمياه والانسان والأرض. تغيرت طرق الانتاج الصناعي في النوعية والسرعة والمنهجية. ارتفع الانتاج الصناعي وارتفعت التجارة الداخلية كما الخارجية. اهتمت الدول منذ ذلك الحين بميزاتها التجارية وبتحسين وضعها عبر زيادة الصادرات. بدأت الدول تفكر بوضعها الانتاجي وبميزاتها التفاضلية للتخصص والانتاج والتصدير. أصبحت نظريات "ريكاردو" واسعة الانتشار وهو الذي بشر بالتخصص الصناعي والتبادل التجاري مما يعزز الوضع الاقتصادي للمصدر والمستورد. انعكس التغيير الصناعي على المجتمعات في طريقة العيش والعمل. لم تكن الثورة فقط اقتصادية بل كانت اجتماعية فكرية تربوية صحية أثرت على تكوين المجتمعات ونموها والعلاقات فيما بينها. لم تكن ثورة سريعة بل أخذت وقتها عبر عقود من التغييرات البطيئة والدائمة لاحقا. كان هنالك مفكرين كبار انتشرت نظرياتهم عبر الوسائل الجديدة التي دفعت العالم الى القرية الجامعة.

لا بد من التذكير هنا بكتاب روستو W.W. Rostow في سنة 1956 عن "مراحل النمو الصناعي" الذي كان له ضجة عالمية كبيرة حيث ذكر أن هنالك 5 مراحل تمر بها المجتمعات وصولا الى المرحلة الاستهلاكية. من المرحلة "التقليدية" المرتكزة على الزراعة الى مرحلة "ما قبل الاقلاع" أي زيادة انتاج الفحم والغذاء الى "الاقلاع الصناعي" الذي يؤمن النمو المستمر الى مرحلة "النضوج الصناعي" وثم خامسا مرحلة "المجتمع الاستهلاكي" الذي يصف اليوم المجتمعات المتطورة وخاصة الغربية. المقصود مع روستو أن تغير الدول والمجتمعات لا يتم بسرعة بل هنالك مراحل مهمة يجب أن يمر بها تأخذ وقتا لتؤمن الاستقرار والاستمرارية. معظم الدول النامية يقع في المرحلة الثالثة على الأبعد أي قبل "الاقلاع"، اذ لا يمكن وصفها بالناضجة ولا بالاستهلاكية. نظريات روستو تبقى حتى اليوم رائدة ومميزة بالرغم من بعض النواقص. اطروحته أهملت التطورات السياسية والاجتماعية الضرورية التي يجب أن ترافق التغيرات الاقتصادية كي تكون ثابتة ودائمة ومستمرة لمصلحة المواطن والانسان.

كانت بريطانيا دولة بل امبراطورية مميزة في آخر القرن الثامن عشر، وبالتالي استضافت الثورة الصناعية. كان النمو السكاني قويا وبالتالي توافر العمالة مؤمنا، كذلك كان الانفتاح الاقتصادي والفكري كبيرا أي كان المجتمع مهيئا للتغيير والتطور. كانت بريطانيا غنية بالمواد الأولية في مقدمها الفحم والحديد، كذلك بدأ المجتمع يعرف ويمارس تقنيات الاقراض كما تطورت وسائل النقل عبر البر والمياه. باختصار كان المجتمع البريطاني مهيئا للتغيير في ركائزه وعلاقاته مما سبب تحسن مستوى المعيشة وتزايد فرص العمل كما لم يحث سابقا.

لاحقا امتدت الثورة الصناعية الى الدول الأخرى وفي مقدمها الأوروبية التي بدأت تنسخ التجربة البريطانية الرائدة. من مساوئ الثورة الصناعية أنها بدأت ما يعرف اليوم بالتلوث والتغير المناخي وأحزمة البؤس في المدن. كما سبب الانتاج الصناعي المتزايد ما يعرف باستغلال العامل في حقوقه ومعيشته وبالتالي توترت العلاقات بين قوى المجتمع المنتج. في الاقتصاد ليست هنالك مزايا ايجابية دائمة وقوية دون نواقص أو سلبيات. واذا لم تكن هنالك سلبيات ظاهرة، يسعى الاقتصاديون لايجادها عملا بمبدأ وجهات النظر المختلفة.

مع الثورة، تطورت الصناعة في القيمة والنوعية وتوسعت الى كافة القطاعات. فرض ذلك تطور قطاع الخدمات الذي سمح بنقل الصناعة وتسويقها وبيعها. تطور الاقتصاد من الزراعة الى الصناعة وثم الخدمات بجوانبها التقنية والمالية والتأمينية والسياحية. في اقتصاداتنا اليوم، تسيطر الخدمات دون أن تغيب الزراعة والصناعة لكن الحاجات الخدماتية كبيرة وتفرض نفسها مهما كان النظام الاقتصادي مختلفا. تغيرت تقنيات الانتاج في السرعة والفعالية والانتاجية ليس فقط في الصناعة وانما أيضا في الزراعة والخدمات.

مع الوقت أصبحت الحكومات تتدخل أكثر فأكثر في الاقتصاد لحماية المنتج والعامل والحقوق الاقتصادية المختلفة. لم تكن الثورة الصناعية ثورة في العرض فقط، انما غيرت أيضا ركائز الطلب حيث أن تغير الانسان فرض تغير الحاجات والرغبات وبالتالي تغيرت كل السلع والخدمات. في الاقتصادات الجديدة، هنالك 6 دول لا بد من التنويه بنجاحها في التغيير بالنوعية والسرعة وهي الصين وكوريا الجنوبية والهند واندونيسيا وتايلاند وبولندا. العامل المشترك هو المال الذي حركها وجعلها تصبح بسرعة ماكينة انتاجية ضخمة. المال مهم جدا شرط عدم التعلق به اذ يصبح عندها هوسا، فيفقد الانسان ميزاته الفكرية والانسانية.

ترفض الأديان عبودية المال لأنه يفقد المواطن انسانيته ويحوله الى سلعة. للأسف العديد من المجتمعات ربطت نفسها بالمال. حب المال هو دافع للفساد الذي نعاني منه في كل مجتمعاتنا. يدفع المال الى الحروب حيث في معظمها المال والجشع وراءها. حتى الصراعات التي ظاهرها غير مادي لا يمكن أن تستمر اذا لم يحركها عنصر المال. التعلق بالسلطة لا يعود الى الرغبة في خدمة الناس، بل الى حب السلطة وما يتأتى عنها من مال وغنى مادي. في عالمنا اليوم، التطرف في الرأي يحرك المجتمعات وبالتالي عدم الاصغاء للغير يميز عصرنا الصعب. يفسر كل منا الوقائع تبعا لعقيدته حتى لو كانت بعيدة عن الحقيقة. ثقافة الحوار غائبة والعنف حل مكانها، وما هي التطورات الحالية في أوروبا وأميركا وغيرها الا شاهدة على ذلك.

 

 

 


Warning: Use of undefined constant num - assumed 'num' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/btimescom/public_html/articles.php on line 557

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment