يا معلّمين الشكر من عاداتنا...

03/10/2016 - 02:23 AM

الشاعر المبدع سليم حامد الزعيم أنطون سعادة المعلم كمال جنبلاط 

 

الدكتور وائل كرامه كرامه

 

" يا معلّمين الشكر من عاداتنا

إلكن على تسليمنا شهادتنا...

ويا معلّمات بقول بكل إفتخار

إنتو وضعتوا النور في شمعاتنا...

نحنا ملّينا البيت بهجة وإزدهار

وإنتو هدايتنا ولِكُن بسماتنا...

ونحنا تلاميذ المعلّم بالعمار

هيدا أملنا بهالدني وغاياتنا...

ويا مَرَحا للخير من يزرع بذار

وكل من بيعلّم طفل في ندواتنا...

ونحنا تعلّمنا نشيد الإنتصار

وراية جبلنا تضل ع طول الزمن

بيضا نقية ع شكل تلجاتنا "...

هذه الأبيات الجميلة هي للشاعر المبدع الراحل سليم حامد، جاري في بلدتي عين زحلتا وصديقي رغم فرق العمر الذي كان بيننا، وقد كتبها بناءً على طلبي سنة ١٩٨١؛ قلتُ له: " عمّي سليم، أكتب لي قصيدة عن المعلم، أريدُ أن ألقيها في إحتفال مدرستنا بمناسبة عيد المعلم ".

فأجابني بلياقته المعهودة وبسمته الصبوحة التي ما كانت تفارق وجهه: " تكرم عينَك، غبلك شي ساعة وإرجع سوف تراها بإنتظارك ". وهكذا كان وقد حضنتُ الورقة التي كتب عليها القصيدة بخط يده الجميل وألقيتها فعلاً في عيد المعلم في مدرستي الفاضلة "مدرسة الراهبات القلبين الأقدسين" في عين زحلتا. لاقت القصيدة من الحضور إستحساناً لافتاً زاد منه لربما إحساسي العميق بها وإلقائي لها بإندفاع، ومنذ ذلك الحين والشعرُ يلاحقني، والمنبر يُغريني، وعيد المعلم يرتبطُ في روحي بمدرستي والشاعر الصديق " عمّي سليم " كما كنا نناديه.

تكريم المعلم الكبير الشهيد كمال جنبلاط

في عيد المعلم هذه السنة، قررتُ أن أكتب تكريماً للمعلم الكبير الشهيد كمال جنبلاط ولشاعرٍ من بلادي شاءت الأقدار أن يرحل دون أن ينشر مدوناته وقصائده الجميلة في كتب وخاصةً الوطنية والقومية منها والتي كان أحياناً كثيرة يلقيها أمام الزعيم الراحل أنطون سعادة والمعلم كمال جنبلاط في مناسبات حزبية كانت تستضيفها عين زحلتا ومنطقتنا.

أذكرُ جيداً أنه كتب لإبنة أخيه "هلا " أغنية كانت من أجمل الأغاني التي كنا نغنيها في المهرجانات الكشفية: " أنا إشتراكي عم بناديلك، وقّف خدني بـ أوتومبيلك، لا تتركني وتبعد عني، وقّف خدني، وقّف خدني، أنا إشتراكي عم بناديلك ... وقّف خدني بالسيارة وضلّك ماشي ع المختارة، في نذر عليي وزيارة، وأكتر ما فيي بحكيلك، أنا إشتراكي عم بناديلك "...

اليوم قررتُ أن أكتب عن المعلّم، عن كل معلِّم، ذاك المتعمشق على جبين الزمن حراً، عزيزاً، رافعاً عالياً راية الخير والعلم والتربية. هو ذاك القدّيس الذي نذَرَ نفسه وعمره من أجل الآخرين، من أجل النشىء الصالح. يتعب ويعطي من روحه الخيِّرة كي يبني جيلاً جديداً متجدداً سلاحه الكلمة المجبولة بنور المعرفة وعطر الثقافة ونكهة الرقي والأدب...

كان لي شخصياً تجربة في التعليم لمدة سنة واحدة في بداية التسعينات من القرن الماضي وذلك قبل أن أعود وألتحق بكلية الطب، وقد كانت هذه التجربة جميلة جداً أثّرت عميقاً في ذاتي إلا أن شغفي برسالة الطب كان أقوى؛ كُنتُ أعلم أنني إذا إستمريتُ سنة أخرى في التعليم فإنني سوف أقضي بقية عمري في هذا المجال التربوي نظراً لما فيه من متعة وتحدٍّ وحلاوة عطاء.

ما لا يَشْعُر بِه الناس هو أن هذا المعلم الذي يعدّ التلاميذ ليصبحوا في المستقبل في مراكز مهمة ومرموقة في المجتمع من رؤساء ووزراء ونواب وأطباء وقضاة وغير ذلك من المهن المبنية على أساس التعليم والتحصيل الأكاديمي يبقى مكانه: يعلِّم نفس المادة وربما نفس الصفوف لأجيال وأجيال... هي ضريبة التضحية والفناء تماماً كما الأم من أجل الآخر ليصل الى أعلى المراتب ويحلّق في مستقبل النجاح...

من المعلوم أن الدوّل المتقدّمة في الغرب كألمانيا مثلاً تعطي للمعلم أولية نسبةً لباقي المهن وتعزّز مكانته في المجتمع مادياً ومعنوياً لأنها تعتبره أساسس كل تطوُّر وحضارة وهم من يعلّم المجتمع ويعدّ الأجيال القادمة. في دولنا العربية بالأجمال، للأسف وضع المعلّم ليس على ما يُرام سوى ببعض الدول النفطية الخليجية. ففي لبنان مثلاً المقاوم الأول هو المعلم نظراً لما يعانيه من إجحاف بحقوقه في مقابل الكمّ الهائل في العطاء الذي جعل من المؤسسات التربوية اللبنانية من أهم المؤسسات الرائدة على مستوى منطقة الشرق الأوسط ككل.

كل عيد معلِّم وأنتم بخير والأمة العربية ولبنان التنوع والحضارة بخير.

كلما أتى عيدُ المعلم، سأبقى أتذكّر المعلم كمال جنبلاط والزعيم أنطون سعادة والشاعر المبدع سليم حامد: هذا الشخص العزيز جداً على قلبي والذي رحل من دار الفناء الى دار البقاء بحرقة فراق حبيبته وشريكة حياته الراحلة نجية ( توفي بعدها بأشهر قليلة من شدة حرقته على فراقها )، هذا الإنسان الحقيقي المعلّم من نوع آخر: سليم حامد كان شاعراً مبدعاً ومفكراً متأملاً وإنساناً عروبياً مميزاً ترك بصمته في نفوس كل من عرفوه وفي ضمير لبنان والجبل وعين زحلتا.

قال لي يوماً وهو يمرّ بجانبنا نلعب، رفاقي وأنا، جملةً لم ولن أنساها أبداً: " وائل، الرضى والتسليم نهاية العلم والتعليم "...

سليم حامد، نشتاقُك وتشتاقك القصيدة ودروب العزة والنضال...

نحن كما قلت أنت في قصيدة المعلم: " نحنا تلاميذ المعلم بالعمار وهيدا أملنا بهالدني وغاياتنا، ونحنا تعلّمنا نشيد الإنتصار وراية جبلنا تضل عـ طول الزمن بيضا نقية ع شكل تلجاتنا ".

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment