اليورو سيبقى

09/11/2017 - 09:53 AM

Bicycle Club

 

Image result for euro

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا يمكن ادخال نقد بحجم اليورو الى الأسواق العالمية من دون قواعد وأسباب وسنوات طويلة من التحضير. يجب أن تكون هنالك رغبة كبيرة من قبل الدول المهتمة بانجاح مسيرة النقد.

أسباب جوهرية تشكل حوافز للدول المشاركة

يجب أن تكون هنالك أسباب جوهرية تشكل حوافز للدول المشاركة لانجاح ادخال النقد. هل وجد اليورو فقط لمنافسة الدولار أم هنالك مصالح أوروبية اقتصادية ومالية وربما سياسية لادخال نقد مشترك وانجاحه؟ أحد مؤسسي أوروبا كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتقد بضرورة ايجاد اليورو لمنافسة الدولار. كان يخشى النفوذ الأميركي ويريد تقوية الداخل الأوروبي للوقوف السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة.

لذا بنى ديغول العلاقات الفرنسية الالمانية لحاجته الى المانيا في مواجهة أميركا. ديغول كان يعتقد في نفس الوقت أن الاقتصاد الألماني القوي وتركيزه على الصادرات للنمو سيضع دائما الفرنك الفرنسي في موقع صعب وضعيف. هنا تكمن ضرورة ايجاد نقد جديد يحل محل المارك والفرنك في مواجهة الدولار. لا ننكر وجود رغبة أميركية أكيدة في تقوية التحالف الفرنسي الألماني لمواجهة الأمبراطورية السوفياتية التي أصبحت المنافس بل ربما العدو الأول لأميركا.

النقمة الشعبية تجاه أوروبا

بعد كل هذه السنوات بل العقود الطويلة من البناء الأوروبي الجدي، كيف يمكن تفسير النقمة الشعبية تجاه أوروبا وهذه الرغبة بالرجوع الى الوراء؟ كيف نفسر الرغبة في اعادة بناء الحدود التي ألغتها اتفاقية "شنغين"؟ كيف نفسر رغبة البعض بالغاء النقد المشترك والعودة الى العملات الوطنية كوجه من وجوه الاستقلال؟ كيف يمكن تفسير قرار البريطانيين بالخروج من الوحدة الأوروبية؟ وجدت الوحدة الأوروبية لتبنى على النموذج الأميركي الشمالي. كان الهدف بناء الوحدة الاقتصادية أولا وثم السياسية. تظهر الوقائع اليوم خطأ السير في هذا الاتجاه، أي كان من الممكن السير سوية تجاه الوحدتين.

الذي شكل اللاصق بين المجموعات الأميركية هي الديموقراطية أي انتخاب مجلسي شيوخ ونواب يلعبان دورا كبيرا في النظام الأميركي ومسؤولان تجاه المقترع الأميركي. ترتكز الدولة الأميركية على الرئاسة لكن أيضا وربما أكثر على المجلسين التشريعيين كما تشير اليه الوقائع الحالية مع "ترامب". هذا مفقود في أوروبا، اذ بالرغم من وجود مجلس نواب أوروبي فهو أقل أهمية من المثيل الأميركي. تدير أوروبا في الواقع مجموعة من الموظفين وربما التقنيين مما يجعل المحاسبة غير موجودة. كما أن المؤسسات الأوروبية لم تتطور مع الوقت للتأقلم مع الحاجات والمستجدات. في الواقع تبقى القوة السياسية الأساسية في أوروبا مع الدول المنفردة وليس مع المركز كما هو الحال في واشنطن. لا ننسى أبدا أن مسؤولية مجموعة "بروكسيل" في الخمسينات كانت تثبيت سعر الفولاذ والفحم والغاء الحواجز أمام التجارة بين الدول الأعضاء.

ايجاد نموذج ديموقراطي

بناء أوروبا تجربة كبرى جمعت بين جنسيات وأعراق وهويات مختلفة. جمعت سكان من أصول وتاريخ يتكلمون لغات وطنية مختلفة. على عكس الاتحاد السوفياتي الذي خلق بالقوة دولة مشتركة من هويات مختلفة، كانت الفكرة ايجاد نموذج ديموقراطي تقرره الشعوب بحماسة ورغبة وحيوية وحرية أي الوحدة الأوروبية. لذا بنيت على مبدأ احترام حقوق الانسان وحريته أي تأمين أبسط الحقوق الاجتماعية للمواطن مما يشكل الحافز الكبير للنمو والنهوض وحتى التنمية. لم تنجح الوحدة دائما في تحقيق الأهداف، الا أنها أحرزت تقدما كبيرا. كان من المفروض أن يشكل خلق اليورو عاملا أساسيا لتقوية الانصهار الأوروبي، فكان عموما عاملا مسببا للتباعد بين الأوروبيين. لن يكن الخطأ في الفكرة، انما في التنفيذ وفي غياب العامل السياسي الأساسي الموحد. اليورو لم يفشل لكنه بحاجة الى ترميم كي يقوى.

يقول "يانيس فاروفاكيس" في كتابه "خسارة الضعفاء" أن الدول الضعيفة أي اليونان هي الخاسرة من وحدات كبيرة من هذا النوع. عندما كان وزيرا للمالية لأشهر قليلة، وضع الدول الأوروبية الأساسية في موقف عدائي نتيجة خطابه القاسي والهجومي علما أن المنطق لم يكن خاطئا. عندما قال له الوزير الألماني أن دولته تريد استرداد قروضها لليونان، أجابه فاروفاكيس عن الوقت التي ستعوض فيه ألمانيا لليونان الخسائر التي حققتها فيها خلال الحرب العالمية الثانية. لم يتعود الألمان على هذا المنطق، وبالتالي شكل نقطة الطلاق النهائي بين حكومته والحكومات الأوروبية الأساسية أهمها الألمانية، مما استوجب استبداله بشخص آخر في المالية اليونانية. عندما واجهه الأوروبيون بضرورة تسديد اليونان لبعض الموجبات المالية، أجاب بأن على الأوروبيين اعادة جدولة الديون اليونانية كي ترتاح وتنمو وثم تستطيع تسديد ما يتوجب عليها. هل كانت المشكلة فعلا مالية أم سوء تخاطب وحوار ونفسيات متشنجة لاسباب عدة؟.

قوة أميركا الاقتصادية

في كل حال وحتى 1581971، كان الدولار النقد العالمي الوحيد المبني على قوة أميركا الاقتصادية وعلى نظام سعر صرف نقدي ثابت. بني نظام "بريتون وودز" على قوة الولايات المتحدة وعلى فائض ميزان الحساب الجاري لديها. استمر عمل النظام ممتازا معتمدا على هذا الفائض الذي بدأ يندثر وبالتالي وضع النظام النقدي العالمي كله في خطر. يقول فاروفاكيس أن أزمة 2008 كانت نتيجة اتفاقية "بريتون وودز" السيئة حيث رفضت الولايات المتحدة اقتراحات "كينز" الذي مثل بريطانيا في تلك الاجتماعات. كان كينز يريد بناء نظام نقدي عالمي وليس نظام نقدي أميركي. مشروعه كان يعتمد على النقاط الثلاث: خلق نقد عالمي جديد مرتكز على نظام سعر صرف ثابت يشرف عليه مصرف مركزي عالمي. اقترح كينز أن يكون صندوق النقد العالمي هذا المصرف المركزي الذي يضع ضرائب على الدول التي تحقق عائدا في ميزان حساب الجاري لتمويل عجز الدول الأخرى. لم تلق اقتراحات كينز أي تأييد أميركي فجرى اعتماد بريتون وودز.

عندما بدأ ميزان الحساب الجاري الأميركي يصبح عاجزا، بدأ الخوف من عدم استقرار النظام النقدي وبدأ المجتمع الدولي يشتري الذهب من أميركا نفسها مما فرض عليها التخلي عن التزامها بتسديد المعدن الأصفر مقابل النقد الأخضر. في الواقع تحقق فائض في الميزانين الألماني والياباني على انقاض الفائض الأميركي. استمر المصرف المركزي الأميركي في زيادة الكتلة النقدية لتجنب ركود عالمي مما سبب انخفاضا في قيمة الدولار الحقيقية وبالتالي رغبة متزايدة في التخلي عنه لصالح نقد آخر ربما المارك. فشل بريتون وودز أو نهايتها في 1581971 فرض خلق نقد جديد تم تسميته لاحقا باليورو. أرادت أوروبا فعلا خلق نقد عالمي يحل مكان الدولار أو يشكل منافسا كبيرا وقويا له.

تقوية ركائز اليورو

ما المفروض أن يحصل اليوم لتقوية ركائز اليورو وبالتالي استمرار الوحدة النقدية الأوروبية؟ لا شك ان انتخاب ماكرون ساعد كثيرا في ابقاء فكرة الوحدة النقدية الأوروبية حية. كما أن وجود ترامب يساعد على اضعاف الدولار وتقوية العملات الأخرى. الصين ليست جاهزة بعد للعب الدور النقدي المركزي العالمي.

أولا: الوحدة الأوروبية هي أصلا مشروع سياسي وبالتالي يجب تقوية المصالح والمؤسسات المشتركة المبنية على الديموقراطية المشتركة. يجب السير باتجاه التركيبة الأميركية أي فيديرالية لم يفككها حتى انتخاب "ترامب" وخطابه.

ثانيا: معالجة بقايا أزمة 2008 التي امتدت الى المصارف والديون والاستثمارات والمواضيع الاجتماعية. وجود سلطة تشريعية مركزية قوية يساعد جدا.

ثالثا: اعتماد الخيارات الصائبة فيما يخص الانفاق العام أي ليس بالضرورة اعتماد التقشف أيا تكن التكلفة الاجتماعية. يجب عدم تكرار الخطأ الأوروبي أي جعل الدول الضعيفة تدفع أخطأ المصارف المتهورة وهذا ما حصل.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment