اقتصادات عربية انتقالية

03/20/2017 - 11:37 AM

Wifyd

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

الاقتصادات العربية ليست كلها نفطية أو مستقرة، اذ هنالك مجموعة ثالثة تقع بين الاثنين أو مختلفة عنهما. يمكن وصفها بالاقتصادات الانتقالية وتضم مصر، الأردن، ليبيا، المغرب، تونس واليمن. تجارب كل منها مختلفة لكن هنالك قواسم مشتركة واضحة. جميعها تأثر بالأوضاع الاقتصادية في أوروبا بسبب العلاقات التاريخية والقرب الجغرافي. جميعها تأثر بطريقة أو أخرى بأسعار النفط كما أن لكل منها سياساتها الاقتصادية التي تؤثر عليها أهمها سعر الصرف والانفاق المالي لتنشيط الاقتصادات.

نسب البطالة المرتفعة

هنالك عامل سلبي مشترك هو نسب البطالة المرتفعة، أي 12% للجميع و 30% للشباب، والتي تؤثر سلبا ليس فقط على النمو وانما خاصة على الاستقرار الاجتماعي والاطمئنان المستقبلي وبالتالي الرغبة في الهجرة بأي ثمن. من أهم النقاط المشتركة هي سوء اداء وضعف فعالية القطاع العام بالاضافة الى الفساد الذي يسيء الى مصالح المواطن والى نوعية الخدمات كما يؤذي النتائج الاقتصادية المستقبلية.

نمت هذه الاقتصادات كمجموعة 2,5% سنويا تبعا لتقديرات صندوق النقد. أما التضخم فهو في حدود 7%. الموازنات عاجزة أي معدل 8% من الناتج والدين العام يقدر بـ 70% من الناتج نفسه. ميزان الحساب الجاري عاجز أي معدل 7% مما يشير الى صعوبات ليست مفاجئة في منطقة غير مستقرة. نجحت هذه الدول في تأمين حد مقبول من الاستقرار الاقتصادي وهنالك تقدم واضح في تنفيذ الاصلاحات التي تختلف في عمقها وامتداداتها وسرعتها من دولة لأخرى. في بعضها، هنالك صراعات عنيفة وضحايا تقع دوريا وان لم تصل الى المستوى السوري.

عامل جديد أساسي هو "دونالد ترامب"

تشكل هذه الصراعات تحد كبير ليس فقط للحكومات وانما للمجتمعات وللحياة اليومية العادية. هنالك عامل جديد أساسي هو "دونالد ترامب" الذي له وجهات نظر مختلفة عن أوباما وحتى عن الرؤساء الجمهوريين السابقين. من الجديد، العلاقات الأميركية الروسية الحالية التي ربما تنعكس على الاستقرار في المنطقة.

اذا استمرت الأمور على ما هي عليه في المنطقة، ستتحسن تدريجيا الظروف الاقتصادية لكن ليس بوتيرة كافية لاستيعاب كل العاطلين عن العمل في الدول الست. بالأرقام ولمجموع الدول، يبلغ عجز ميزان الحساب الجاري السنوي 30 مليار دولار وعجز الموازنات 55 مليار دولار أي أرقام كبيرة لا تعبر عنها بالضرورة النسب المئوية أعلاه.

تحتاج هذه المجموعة الى تمويل خارجي سنوي يتعدى الـ 40 مليار دولار. قسم كبير من هذه الحاجات تمول من دول مجلس التعاون الخليجي كما من تحويلات العاملين فيها والباقي من الخارج بما فيها المؤسسات الدولية.

التكلم عن المجموعة دون الدخول في الحالات الفردية لا يفسر الواقع. مثلا، النمو الاقتصادي الليبي سلبي بسبب سوء ادارة الأوضاع والتقلب السياسي والاداري والحروب القبلية وغيرها. الناتج الفردي هو 6671 دولار وهذا قليل لدولة نفطية، علما أن هنالك 6,2 مليون شخص. النمو سلبي في حدود 24% في سنة 2014 لدولة هدرت أكثر ايراداتها عبر تمويل حروب وثورات أفريقية في تشاد وغيرها كما عبر تهريب قسم الى أمكنة ما زالت مجهولة. هنالك مليارات الدولارات من الايرادات السابقة على مدى 40 سنة أو أكثر أنفقت، لكن كيف ومن هو المسؤول وهل انتهت تلك المسؤولية مع مقتل العقيد القذافي؟

عجز الموازنة

هذه الأموال هي ملك الشعب الليبي ومن حقه أن يعرف مصيرها. عجز الموازنة 43,5% من الناتج وعجز ميزان الحساب الجاري 30% منه، مما يشير الى وضع صعب لن يعالجه الا الاستقرار السياسي وحسن ادارة الدولة. هنالك حوار مع صندوق النقد بشأن الادارة المالية والأوضاع الاقتصادية، علما أن ليبيا لا تحتاج الى قروض.

تغيير القيادات والأوضاع

أما مصر حيث الناتج الفردي 3304 دولار، فعانت وتعاني الكثير من تغيير القيادات والأوضاع. لا شك أن هنالك تأثير على نمو الاقتصاد الذي يحتوي على 90 مليون شخص. نمو 2% سنويا غير كاف وبالتالي هنالك طلب كبير على العمل في الخارج حتى بأجور منخفضة. عجز الموازنة هو 14% من الناتج وعجز ميزان الحساب الجاري في حدود 5% من الناتج نفسه. تملك مصر مقومات كبيرة ليس فقط في اليد العاملة وانما في البنية التحتية السياحية في الأهرام وشرم الشيخ وغيرها من الثروات الجاذبة للسياح من مختلف بقاع الأرض.

يمكن لمصر أن تستقطب استثمارات خارجية كبيرة تقوي النمو وترفع مستوى الدخل وتدخل مصر بقوة أكبر الى قلب القرن الـ 21. هنالك حوار دائم مع صندوق النقد انتج مؤخرا قرضا كبيرا بقيمة 12 مليار دولار.

طاقات كبيرة لم تستثمر بعد

في الأردن حيث الناتج الفردي 5375 دولار، هنالك طاقات كبيرة لم تستثمر بعد علما أن السكان هم 6,7 مليون. هنالك الخلافات السياسية العميقة التي تبقى تحت مظلة الحكم. لا يكفي الأردن ما تعانيه من مشاكل بنيوية أساسية في السكان والتنوع الاقتصادي، فجأها النزوح السوري الذي خلق للاقتصاد مشاكل ايضافية ثقيلة. في الأردن بنية سياحية مهمة تستقطب الزوار ومن الممكن أن تجذب المستثمرين أكثر عندما تستقر الأوضاع في المنطقة. نمو الاقتصاد هو 3% سنويا والعجز المالي هو 13% وعجز ميزان الحساب الجاري 12% من الناتج.

لا شك أن الأوضاع غير مريحة للمواطن العادي لكن الأردن يملك القواعد والطاقات التي ستمكنه من النهوض عندما تتغير الظروف الخارجية. من المشاكل الأساسية للاقتصاد هو التمويل علما أن الهبات ليست قليلة لكنها خفت مع انخفاض أسعار النفط. هنالك برنامج بقيمة 2,05 مليار دولار مع صندوق النقد قرر في آب 2015 ل 3 سنوات لدعم الاستقرار.

تونس قائدة الربيع العربي

أما تونس ذات الناتج الفردي 4422 دولار، فهي قائدة الربيع العربي والذي لم تستفد منه كليا حتى اليوم. تونس مع 11 مليون مواطن مستقرة أكثر من غيرها لكن اعتمادها على السياحة كمصدر أساسي للنمو يفرض عليها تحقيق استقرار أفضل وتطوير للبنية التحتية السياحية بشكل اسرع وأعمق ودائم. يبلغ النمو السنوي 2,3% والعجز المالي 6% وعجز ميزان الحساب الجاري 9% وهذه نسب غير مريحة لاقتصاد لا يحتوي على ثروات طبيعية كافية. ما حصل في تونس من تغييرات حتى اليوم ليس بالقليل ويشير الى وعي انساني كبير والى تقدم مهم نموذجي لدور المرأة في المجتمعات العربية. تطوير وتعميق العلاقات مع أوروبا مهم جدا دون أن ننسى امكانية تطوير التواصل مع الدول الخليجية. هنالك برنامج لسنتين بقيمة 1,75 مليار دولار قرر في منتصف 2013 مع صندوق النقد.

حماية الاقتصاد من الخضات الخارجية

في المغرب حيث الناتج الفردي 3316 دولار، تحقق نمو قارب 5% في سنة 2013 و 2,4% في سنة 2014. هنالك عجز في الموازنة يقدر بـ 6% من الناتج سنويا وعجز في ميزان الحساب الجاري يقدر بـ 9%. يعتمد المغرب على انتاج الفوسفات كما على السياحة حيث الضيافة المغربية معروفة ومشهورة. في تموز 2014، أقرض صندوق النقد الدولي المغرب 5 مليارات دولار لحماية الاقتصاد من الخضات الخارجية. يحتوي المغرب على طاقات بشرية لـ 33 مليون شخص بانتاجية عالية تظهر في تنويع الطاقة وغيرها من الصناعات.

جمال الطبيعة والغنى الأرضي

اما اليمن مع ناتج فردي 1574 دولار، فهي دولة فقيرة بالرغم من جمال الطبيعة والغنى الأرضي. يعاني اليمن من حروب الآخرين على أرضه بمشاركة فرقاء الداخل طبعا، فأوضاعه ليست جيدة ونموه سلبي في سنتي 2014 و 2015. الموازنة عاجزة في حدود 8% وميزان الحساب الجاري عاجز أيضا أو 5% من الناتج. أقرضها صندوق النقد في سنة 2014 حوالي 550 مليون دولار لمدة 3 سنوات لكن القرض مجمد بسبب الأوضاع الأمنية في البلاد.

سكان اليمن يقاربون 28 مليون شخص يمكنهم اعطاء الكثير. الأمل في المستقبل يبقى كبيرا.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment