"البريكسيت" مشكلة من؟

01/05/2017 - 17:06 PM

Bt

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

منذ سنة 2007 تمر أوروبا في ظروف صعبة ليست أقلها الأزمة المالية في اليونان والأزمات السياسية مع بريطانيا وفي أوكرانيا وأخيرا في ايطاليا.  يقول "مارتن شولتز" رئيس البرلمان الأوروبي المغادر أن أوروبا تمر في ظروف متقلبة مما يفرض على قياداتها أن يديروا أزمات لتخفيف الخسائر.  انها مرحلة استمرار وليست مرحلة بناء.  تواجه أوروبا أيضا خطر الارهاب والهجرة اليها، وهنالك قيادات عديدة ستتغير هذه السنة على الصعيدين الوطني والاقليمي.  أهم المغادرين سيكون الرئيس الفرنسي، ومن المتوقع أن يكون البديل أقل تعاونا أوروبيا.  يقول الاقتصادي "جوزف ستيغليتز" أن منطقة اليورو غير صحية أصلا بل غير قابلة للحياة، ولا بد من أن تتفكك تدريجيا مع الوقت.  تفاجأ "ستيغليتز" كيف أن أزمة 2008 بدأت في الولايات المتحدة مع أن وضع الوحدة النقدية الأوروبية كان في رأيه أسواء.  في استفتاءات حديثة أجريت في دول أوروبية، تبين أن 48% من الايطاليين، 41% من الفرنسيين، 39% من السويديين و 34% من الألمان لا يرغبون في استمرار الوحدة الأوروبية.  اذا حوالي نصف سكان الدول الأساس في أوروبا يرغبون في تفكيكها، لذا فالمشكلة كبيرة ولا تحل لا مع "بريكسيت" ولا مع "غريكسيت" ولا مع قرارات سطحية.

فلنعد الى أسباب تأسيس الوحدة الأوروبية وثم النقدية.  الأسباب لم تكن أصلا اقتصادية، اذ أنها هدفت الى عدم تكرار الحروب بين الدول الأوروبية أي تعزيز بل ترسيخ السلام بعد قرون من الحروب التي سببت ملايين القتلى والجرحى.  قال المستشار الألماني السابق "هلموت كول" أن أسباب خلق الوحدة هي سياسية وأمنية، وعلى الاقتصاديين أن يبرروها في الاقتصاد.  أسست الوحدة النقدية لخلق منافس للولايات المتحدة ومنافس للدولار.  أسست تبعا لنظريات "روبرت مونديل" لكنها لم تأخذ بالعديد من أفكاره منها ضرورة وضع وحدة مالية وتقوية السلطة المركزية.  أبقت أوروبا على السلطات الحقيقية في الدول الأعضاء وجعلت المركز ضعيفا، أي لا مجال للمقارنة مع الولايات المتحدة وقوتها العسكرية والسياسية.  لذا لم تعط الوحدة الأوروبية النتائج المتوخاة، فبدأ غضب الشعوب يظهر الى العلن تماما كما حصل في أميركا مع انتخاب دونالد ترامب علما أن الوقائع والأسباب والمبررات ليست مشابهة.  هنالك أوروبا جديدة تظهر، ولا بد من أن تتوضح معالمها أكثر مع القيادات الجديدة في فرنسا وايطاليا وهولندا وغيرها.

حتى اليوم الكلام كثير حول توقيت وخطة خروج بريطانيا من الوحدة الأوروبية والفعل قليل.  هذا لا يعني انها لن تخرج، بل تشير الوقائع الى تخبط كبير ضمن المجموعة الحاكمة في لندن كما بين القيادات الأوروبية حول طريقة وسرعة الخروج.  لا شك أن موضوع الهجرة والمهاجرين لعب دورا أساسيا في دفع الأزمة الى الوضع الحالي.  كيفية توزيع المهاجرين وأعدادهم تقلق أوروبا، مع بريطانيا ومن دونها.  هذا يعني أن الطلاق البريطاني في أسبابه الحقيقية ليس اقتصاديا بل سياسيا.  فالحكم البريطاني متردد في تنفيذ البند الخمسين من اتفاقية الوحدة أو "ليشبونة" والأوروبيون مستعجلون في العلن ليس لخسارة بريطانيا بل لينشغلوا في أمور أخرى ويطووا الصفحة البريطانية نهائيا.  القيادات السياسية البريطانية غير راغبة في الخروج من الوحدة لأن العلاقات الاقتصادية مع أوروبا قوية، الا أن الاستفتاء يفرض عليها ذلك.

44% من مجموع الصادرات البريطانية تذهب الى أوروبا و 53% من الواردات تأتي منها أي عجز تجاري مع القارة، علما أن هنالك فائضا في ميزان الخدمات نتيجة الدور المالي الذي تلعبه سوق لندن.  هنالك أيضا قلق أوروبي من امكانية نهوض بريطانيا اقتصاديا بعد الطلاق، وبالتالي يريدون للانفصال أن يتم بأقل خسارة ممكنة للقارة.  حقيقة ماذا تريد بريطانيا من أوروبا وهي التي رفضت التأشيرة الواحدة والنقد الواحد؟  ما هي البنود من اتفافية برشلونة التي تريد الحفاظ عليها؟  لا بد أن نذكر هنا أن توقيع "اتفاقية برشلونة" تم بعد 9 سنوات من المفاوضات الشاقة بين دول ذات مصالح مختلفة، وبالتالي أي تعديل سيأخذ ربما وقتا مماثلا.  ماذا تريد بريطانيا اليوم؟  على الأرجح تريد الحفاظ على حرية تنقل الأشخاص والسلع الى القارة دون العكس، الا أن الأوروبيين سيعاملونها بالمثل ويفرضون التأشيرة على من يريد القدوم من بريطانيا.  لا يمكن لبريطانيا أن تختار ما تشاء أي ما يناسبها، فللأوروبيين مصالحهم وأفضلياتهم حكما.  في كل حال، لا يمكن لتصويت في مجلس العموم أن يلغي أو ينقض استفتاء شعبيا في بلد الديموقراطية أعطى أغلبية واضحة.

في أوروبا، يفتشون عن كيفية ادارة العلاقة مع بريطانيا بعد الطلاق ويريدون ايجاد بدائل للدور المالي الذي تلعبه لندن اليوم.  هنالك فترة سنتين لايجاد المخرج النهائي.  لا بد من حل لواقع وجود ملايين البريطانيين يعيشون ويعملون في القارة، وكذلك لوجود ملايين من  الأوروبيين يعملون في السوق المالية البريطانية.  هل يجنسون في موقعهم أو يعطون فرصة للمغادرة أو غيرها من الحلول التي لن تكون فضلى؟  خروج بريطانيا من الوحدة يمكن أن يعرضها للانهيار كمملكة متحدة اذا قررت اسكتلندا الاستقلال وقررت شمال ايرلندا الانضمام الى الدولة الأم.  بقاء الموضوع البريطاني بالنسبة لأوروبا معلقا يؤخر التفتيش عن حلول ويمدد الأوقات الضائعة التي لا يتحملها أحد.  المطلوب الاتجاه بسرعة نحو الحل النهائي أي تنفيذ الخطوات الأساسية التي تنهي الموضوع وتثبت الطلاق.

بالنسبة لقطاع الأعمال البريطاني، تؤثر فترة الانتظار اليوم سلبا على المشاريع المستقبلية أي على الاستثمارات وبالتالي على البطالة والنمو.  تؤثر سلبا ليس فقط على الاستثمارات الداخلية وانما على الخارجية أيضا التي ترغب في تثبيت الاستقرار السياسي المطلوب.  يعاني الاقتصاد البريطاني من عجز في الموازنة قدر ب 4% من الناتج في سنة 2015 وبعجز في ميزان الحساب الجاري قدر ب 5,2%.  منذ سنة 2010، تحاول الحكومة البريطانية تنفيذ سياسة مالية تخفف العجز والدين العام وتنشط العرض لضرب التضخم وتعزيز دور الشركات في الناتج المحلي.  واذ نجحت الحكومة في تخفيض نسبة العجز من الناتج من 10,8% في سنة 2009 الى 5,5% في سنة 2014، استمر الدين العام في الارتفاع من 51,8% من الناتج في سنة 2008 الى 89,9% في سنة 2014.

أهم مشكلة في أوروبا هي الطاقة وكيف تتوزع مصادرها.  بين سنتي 2012 و 2014، تغيرت مصادر الطاقة الكهربائية جذريا في بريطانيا أي من 36,6% من الفحم الى 20,1% وهذه معجزة مادية وتقنية.  بقيت المصادر الأخرى تقريبا كما هي باستثناء الغاز الذي ارتفع من 29,6% الى 38,6% وهذا كله خلال سنتين فقط.  تستورد بريطانيا النفط من النروج (42%) والجزائر (14%) ونيجيريا (13%) والباقي موزع.  أما في الغاز، ف 35% من المصادر محلية تتبعها النروج (38%) وقطر (12%) والباقي موزع.  هنالك تحدي كبير يكمن في ضرورة الاسراع في تغيير مصادر الطاقة اذ أن قسما مهما من الطاقة النووية ومناجم الفحم سيقفل لأسباب صحية وبيئية ولضرورة تفعيل الانتاج وتخفيض التكلفة.  هل الحكومة البريطانية الحالية بمستوى التحديات المطلوبة منها؟  ما هو حجم التعاون المطلوب مع القارة؟

أخيرا، ما هي نتائج مشروع "البريكسيت" حتى اليوم؟  أهمها انخفاض سعر صرف الليرة الاسترلينية أي ارتفاع للصادرات وللسياحة للتسوق في بريطانيا بأسعار أرخص بالنقد الأجنبي أي خاصة باليورو والدولار.  من النتائج الأساسية تحرك النمو البريطاني ايجابا أي من متوقع 1,9% هذه السنة الى 2,2% السنة القادمة.  بالنسبة للقارة، لا بد وأن يدفع الخروج البريطاني الى القيام بالاصلاحات التي يطالب بها الشعب على صعيد القوانين والمؤسسات لاعادة الحياة واللحمة اليها.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment