الطبقة الفاسدة قادرة على تحريك شارع مضاد وشرس وفتاك...

09/21/2015 - 17:29 PM

كتبت ميشلين أبي سلوم *    

أياً كان مصير هذه الانتفاضة الشعبية اللبنانية ومآلها فإنها تدخل التاريخ كأول انتفاضة شعبية بكر وُلدت من رحم الوجدان الاجتماعي العميق، من والد اسمه الغضب ومن أم اسمها الكرامة الوطنية. وأعظم وأخطر ما فيها أنها لم تنطلق بناء لاشارة اصبع من زعيم الطائفة أو القبيلة، أو من زعيم حزب الفساد الحاكم الذي يضم خليطاً من المنتفعين ولصوص المال العام داخل السلطة وخارجها! ولأنها ثورة بكر، فمن الطبيعي أن تكون محط أنظار عرسان الفساد، وأن ينهال عليها الخطّاب وطالبو القرب وطالبو يدها من محترفي زواج المصلحة من جيغولو وقراطيز المخابرات الخارجية من عرب وأجانب، كما فعلوا في حالات مماثلة سابقة، من تونس وليبيا، والى مصر وسوريا، وغيرها... ولهذه الأسباب مجتمعة يتوجب ابقاء هذا الحراك الشعبي الطاهر تحت الرصد والحماية والصون، حتى لا يفقد بوصلته وأهدافه و... بكارته!

الثورة قد تعني الغضب ولكن لا تعني الحمق

وكذلك تعني التصرف بعقل وحكمة وواقعية، ولا تستسلم لأحلام اليقظة والأوهام. واذا أطلقت حجراً صغيراً وأصاب هدفه، فذلك لا يعني أن تقدم على تكبير حجرها لاصابة هدف كبير مزعوم، لأن ذلك يقود الى عجزها عن اطلاق الحجر الكبير! ولا نتحدث هنا عن حجارة مادية، كتلك التي تستخدم في رشق قوى الأمن، في سلوك عبثي ومضرّ، وانما نتحدث عن حجارة الأهداف المعنوية، المأمولة والمتوخاة. ومثلاً ما معنى شعار الشعب يريد اسقاط النظام في بلد مثل لبنان؟ وعلى افتراض أنه سقط، فإلى أين بعد سقوطه؟ ما هو البديل؟ واذا لم يكن البديل جاهزاً، فليس بعد سقوط النظام سوى الفوضى، وهي أقصر طريق الى الحرب الأهلية!

ثم ماذا تعني هذه الدعوة الطفولية الى اسقاط الطبقة السياسية كلها... وكلّن يعني كلّن؟! ومن يعتقد أن بعض هذه الطبقة تم تجريده من المخالب والأنياب ببعض الهتافات في ساحات المدينة على قرع الطبل والدربكة فهو يخطئ خطأ جسيماً. وهذه الطبقة المعنية لا تزال قادرة على تحريك شارع مضاد وشرس وفتاك. ولا يمكن اخفاء هذه الطبقة الفاسدة عن المسرح بين عشية وضحاها، الا بقدرة ساحر متلاعب بالحواس مثل هوديني قديماً وكريس انجل حديثاً، فهل لديكم واحداً؟! وما كنا نخشاه مع أكثرية اللبنانيين، بدأت صورته تظهر في أكثر من مشهد:

- الشارع بدأ يتحوّل إلى شارعين.. بل وإلى مجموعة شوارع.

- نقاوة الحراك المدني وطهارته، آخذة في التلوث والانتهاك أكثر، يوماً بعد يوم.

- الشعارات المطلبية والإصلاحية أصبحت، بين ليلة وضحاها، هتافات شخصية وانتقامية، ضد شخصيات سياسية وحزبية.

- سلامة الحراك، وأساليبه السلمية أضحت في خطر داهم، بعد ظهور المجموعات المدافعة عن الرموز والشخصيات مهددين باستعمال العنف ضد المتظاهرين.

- التدافع المستمر مع قوى الأمن مرشّح ليصبح صداماً مباشراً مع المتظاهرين عند أول شرارة تصدر عن "طرف ثالث"، وما أكثر من وجود بضعة "أطراف ثالثة"!

رب قائل إن أي تحرّك شعبي بهذا الحجم، لا بدّ أن ينتج عنه مثل هذا الاضطراب الأمني، وما قد يسبقه من اهتزازات في النسيج الاجتماعي والسياسي، لخلخلة بنية الطبقة السياسية الحاكمة. هذا صحيح، قياساً على العديد من التجارب التي ما زالت ساخنة، وشهدت ساحاتها صدامات عنيفة ومباشرة بين مؤيدي السلطة ومعارضيها!

الوضع السياسي والاجتماعي والمعيشي في البلد

ولكن الأصح أيضاً، أن الوضع السياسي والاجتماعي والمعيشي في البلد، بلغ حداً من التردي، لم يعد يحتمل مثل هذا الانقسام والصدام في الحراك الاجتماعي، الأمر الذي يُخشى معه أن يؤدي تكرار الصدامات، إلى تفلت الوضع من الضوابط التي تحكم حركته، وخروجه عن السيطرة، والسقوط في مهاوي الانهيار القاتل! ومنظمو الحراك، يُدركون أكثر من غيرهم، مخاطر دخول جهات حزبية وسياسية لا وجود لها على الخريطة السياسية، محاولة الاستفادة من الغضب الشعبي، وتصدّر واجهة الحراك، في محاولة يائسة جديدة للعودة إلى الساحة السياسية.

ولا بدّ من التسليم بأن تلك الجهات استطاعت تحقيق اختراقات لافتة، ليس على مستوى الحضور وإثبات الذات وحسب، بل وعلى صعيد توجيه الشعارات والهتافات، ضد الخصوم التاريخيين للقائمين على بقايا الفلول الحزبية والسياسية، التي خرجت من المشهد السياسي منذ فترة من الزمن.

من مؤشرات هذا الاختراق، تركيز الشعارات وأعداد اليافطات الموجهة ضد بعض القيادات السياسية، وليس كلها، وفي مقدمتها الرئيس نبيه برّي.

لسنا في معرض الدفاع عن عرّاب طاولة الحوار، فالرجل لديه من الإمكانيات والقدرات، ما يُغنيه عن الاستعانة بأي طرف آخر.

ولكن لا بدّ من التصدّي لمغامرة جر البلد إلى حالة من الفوضى السياسية والأمنية، من خلال التشكيك بشرعية المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها مجلس النواب، الذي ورغم التمديد المتكرر لأعضائه، ما زال يُشكّل صمّام أمان يحول دون وصول النظام إلى السقوط والانهيار.

وبغض النظر عن النقاش السفسطائي حول شرعية التمديد للمجلس النيابي من عدمه، فإن وجود مجلس نواب مُمدّد لنفسه، أفضل مئة مرّة من عدم وجود مجلس نيابي يُجسّد السلطة التشريعية، ويؤكد صمود الدولة أمام تحديات هذه المرحلة الصعبة.

تجربة التمديد للمجلس النيابي المنتخب عام 1972

ولا ندري إذا كان شباب الحراك، قد عاصروا، أو بعضاً منهم على الأقل، تجربة التمديد للمجلس النيابي المنتخب عام 1972، لمدة ثماني عشرة سنة، للحفاظ على بقايا الشرعية والدولة، حيث قام المجلس بانتخاب خمسة رؤساء جمهورية هم: الياس سركيس، بشير الجميل، أمين الجميل، رينية معوّض والياس الهراوي، وجرت الانتخابات الرئاسية في مواعيدها الدستورية، باستثناء انتخاب الراحلين رينيه معوّض والياس الهراوي، بسبب احتلال رئيس الحكومة العسكرية البتراء ميشال عون لقصر بعبدا، وتعطيله إجراء الانتخابات، لأن الأكثرية النيابية، لم تكن تؤيده رئيساً للجمهورية!

والطريف في الحراك المدني اليوم، أنه عوض أن يتوجه إلى مقرات القيادات السياسية التي تعطل أعمال المؤسسات الدستورية من مجلس النواب إلى مجلس الوزراء، إلى رئاسة الجمهورية، وتشل إدارات الدولة، وتفاقم الأزمات التي تعاني منها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، يزحف المتظاهرون إلى المقرات الدستورية التي ما زالت تحافظ على ما تبقى من وجود الدولة ورمزيتها!

التغيير لم يعد مجرّد شعار، بل هو حاجة ملحة وضرورة

ولكن التجارب المريرة التي تعاني منها دول الجوار، علّمت اللبنانيين دروساً قاسية، ليس أقلها عدم الانجرار إلى أية موجة تغيير عشوائية وانفعالية، تفتقد إلى الحد الأدنى من التماسك والوضوح عبر برنامج مدروس، يُجسّد رؤية مستقبلية واعدة، تعتمد المناهج العلمية والعملية والواقعية نهجاً لتحقيق أهدافها، بعيداً عن التخبّط في الارتجال والفوضى، ولتجنب الانجرار إلى المغامرات المسلحة، التي عانى البلد من ويلاتها طوال سنوات الحرب السوداء!

القوى الامنية أظهرت الكثير من الصبر والتحمل والحنكة

في الحراك الأخير كان الاستفزاز أكثر خطورة لأنه كان موجهاً الى غرائز الناس، وليس الى القوى الامنية التي أظهرت الكثير من الصبر والتحمل والحنكة بتجنب الصدام مع المتظاهرين. وكان الاتفاق بين مختلف هيئات المجتمع المدني التركيز على قضايا الفساد والطائفية والأمور المعيشية، دون الدخول في تسمية الزعماء، وتحاشي رفع الأعلام الحزبية والاكتفاء بالعلم اللبناني... ولكن في الحراك الأخير رفع بعض المتظاهرين صور بعض الزعماء مع هتافات مسيئة، فكان من الطبيعي أن يحدث رد فعل، كان محدوداً هذه المرة، ولكن لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحدث اذا تكرر الأمر... ليس مع هؤلاء الزعماء حصراً، وانما مع أي زعيم آخر! حراك طلعت ريحتكم بدأ ينزلق نحو اعتماد أساليب تطرح تساؤلات...

وتحسباً من تكرار ما جرى أمس، وتطور أحداثه لاحقاً إلى الأخطر، لا بدّ لمنظمي الحراك المدني من مراجعة شاملة ودقيقة لأساليب المرحلة السابقة ونتائجها، والاستفادة من الأخطاء، والعمل في الوقت نفسه على تراكم الإيجابيات، وذلك من خلال تحصين هذه الظاهرة الشعبية النظيفة من أي اختراق سياسي، والتصدي لمحاولات الاستغلال الحزبي، من أي جهة أتت، والمبادرة إلى حماية المؤسسات الدستورية لا مهاجمتها، وطرح برنامج مرحلي يساهم في إخراج البلاد والعباد من مسلسل الأزمات التي يتخبّط فيها، والعائد القسم الأكبر منها إلى هذا الشغور المُعيب في رئاسة الجمهورية.

الحراك المدني أمام مفترق مفصلي: إما أن يصحح الانحرافات ويقوى على الصعوبات والتحديات.. وإلا فإن الاختراقات والانتهازيات ستغلبه، وتفرغه من أي مضمون وطني طامح للتغيير والتحديث!

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment